فما كان لمحمد أن يفوته ما عليه قومه من هذا الحال المتردى ومن عادات وتقاليد لا تسمو إلى طبيعة البشر التى أوجدها خالقها، فبعد أن أدرك الخلل الذى أصاب مكة، خاصة في أجيالها الجديدة، حيث أصبحت التفرقة واضحة بين الأغنياء والفقراء، وقد عاش الأوائل حول الكعبة، وعاش الباقون في أطراف مكة البعيدة، وتخلى أهل مكة عن المروءة والكرم، وانقلبوا بخلاء تحت زعم مهارة التجارة والاقتصاد، وأصبح بعضهم لا يؤمن بالقدر، بل وصل ببعضهم التفكير في أن الثراء سيجلب لهم نوعًا من الخلود.
وبعد تزايد إدراك محمد، بأن قريشًا تخلت عن أفضل ما في المروءة واستبقت أسوأ صورها، من طيش وتكبر، إلى إحساس متضخم بالذات، مما يدمر أخلاقيات المجتمع ويؤدى به إلى الهلاك.
فكان فيما سبق ذكره الكفاية لدفع محمد إلى أن يترك نفسه لسجيَّتها، سجية التفكير والتأمل، وقد كان من عادة العرب إذ ذاك أن ينقطع مفكروهم للعبادة زمنًا في كل عام يقضونه بعيدًا عن الناس في خلوة، يتقربون إلى آلهتهم بالزهد والدعاء، ويتوجهون إليها بقلوبهم يلتمسون عندها الخير والحكمة وكانوا يطلقون على هذا الانقطاع للعبادة: التحنف والتحنث، فوجد محمد في ذلك التحنث خير ما يُمَكِّنه من الإمعان فيما شُغلت به نفسه من تفكير وتأمل، كما وجد فيه طمأنينة نفسه وشفاء شغفه بالوحدة يتلمس أثناءها الوسيلة إلى ما لم يبرح شوقه يشتد إليه من نشدان المعرفة واستلهام ما في الكون من أسباب. (2)
2 -حياة محمد/ محمد حسين هيكل (طبعة دار المعارف ص 145 بتصرف) .