زمان، ففى التوراة. جاء ما نصه: فقال موسى أميل الأن لأنظر هذا المنظر العظيم لماذا لا تحترق العليقة . وعلى هذه الآية جاء تفسير الآب (أنطونيوس فكرى) (1) بقوله:"أميل الآن لأنظر= إعلانات الله كثيرة لكن على كل واحد أن يميل وينظر في جلسة هادئة أو صلاة أو خلوة مع الله .. هنا دخل موسى إلى مرحلة جديدة هى مرحلة اللقاء مع الله". (2)
فلقد رغب محمد في أن يجد الحق الذى ينشد من خلال خلوته في غار بأعلى جبل حراء -شمال مكة- يدعى غار حراء، بعيدًا عن ضجة الناس وضوضاء الحياة، فهو خير ما يصلح للانقطاع والتحنث، فكان يذهب إليه طوال شهر رمضان من كل سنة يقيم به مكتفيًا بالقليل من الزاد يُحمل إليه، يطعم من مر عليه من الفقراء والمحتاجين، وممعنًا في التأمل والتفكر، ملتمسًا الحق، والحق وحده، متمعنًا في هذا الكون المحيط به: في السماء
ونجومها وقمرها وشمسها، وفى الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللَّآلئ، وساعات صفوها البديع إذ تكسوها أشعَّة القمر أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندى، وفى كل ما وراء ذلك مما يتصل بالوجود وتشمله وحدة الوجود، في هذا الكون كان يلتمس الحقيقة العليا، ولكن أين الحق إذًا؟ أين الحق في هذا الكون الفسيح بأرضه وسماواته ونجومه؟ أهو في هذه الكواكب المضيئة التى تبعث إلى الناس النور والدفء، ومن عندها ينحدر ماء المطر؛ فتكون للناس ولأهل الأرض كافةً من خلائق، حياة بالماء والنور والدفء؟ كلا! فما هذه الكواكب إلا أفلاك كالأرض سواء .. أم هو فيما وراء هذه الأفلاك من أثير لاحد له ولا نهاية له؟ ولكن ما الأثير؟ وهذه الحياة التى نحيا اليوم فتنقضى غدًا، وما أصلها. ما مصدرها؟! أمصادفة تلك التى أوجدت الأرض وأوجدتنا عليها؟ لكن للأرض وللحياة سننًا ثابتة لا تبديل لها ولا يمكن أن تكون المصادفة أساسها .. وما يأتى الناس من خير أو شر، أفيأتون طواعية واختيارًا، أم هو بعض سليقتهم فلا سلطان لاختيارهم عليه؟ في هذه الأمور النفسية والروحية كان محمد يفكر أثناء انقطاعه وتحنثه بغار حراء، وكان تفكيره يملأ نفسه وفؤاده وضميره وكل ما في وجوده، حتى إذا انقضى شهر رمضان عاد إلى خديجة، فإذا استدار العام وجاء شهر رمضان ذهب إلى حراء وعاد إلى تفكيره ينضجه شيئًا فشيئًا، فتزداد نفسه به امتلاء. (3)
شبهة: اطلاع محمد على الكتاب المقدس
لم يكن محمد لِيطمع في أن يجد ما ينشد في قصص الأحبار ولا في كتب الر هبان، وبرهان ذلك يأتى في قول (وات) :"وفى البدء، نستطيع إبعاد فكرة قراءته من الكتاب المقدس، أو من أى كتاب يهودى أو مسيحى". (4) ، وفى قوله أيضًا نافيًا تعلم محمد المباشر من أى شخص:"ولكن يستحيل أن يكون قد أقام مدة"