فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 326

موقع العقل من الدين وموقع الطهارة من العبادة

(الآية 43)

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43} النساء

ختمت آيات الحلقة السابقة بموقف رهيب من مواقف يوم الدين، موقفٍ جمع فيه الوحي بين كل التداعيات الذهنية والهواجس النفسية والمشاعر الوجدانية للمرء بين يدي أعماله، وقد وجلت القلوب لهول المشهد، واشرأبت الأعناق للمآل والمصير {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} الزمر 69، يومئذ يعرض الناس على ربهم صفا {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} عبس 37، ويشهد الأنبياء والمرسلون، كما تشهد على القوم الجلود والجوارح، فيتجلل الكافر بالندامة والخزي، ويود لو تسوى به الأرض وقد رأى جبروت ربه، ويستبشر المؤمن برحمته تعالى فيرجوها وقد شاهد آلاءه عدلا وعظمة وغنى ورحمة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} عبس 38/ 41

في هذا اليوم الرهيب تقام المحكمة الفاصلة بين ماض سلف في الدنيا خيرا وشرا، وبين مستقبل خلودٍ أبديٍّ في الآخرة جنة أو نارا، وإن من العدالة فيها أن يتميز المؤمن من الكافر والشقي من السعيد وأن تبدأ بأشد الأعمال ظلما، وهي ما كانت عدوانا على الخلق أو نقضا لعهد الله.

أما العدوان فسفك الدماء أشد ظلما وأكثر جحودا وتمردا، قال تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} المائدة 32، وقال صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم) ، وقال: (لا يحولَنَّ بين أحدكم وبين الجنة وهو ينظر إلى أبوابها مِلء كفِّ دم مسلم أهراقه ظلما) ، وقال: (أبَى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة) . لذلك كانت الدماء أول ما يقضى بين الناس، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما يحكم بين العباد في الدماء) .

وأما نقض العهد فأول معالمه ترك الصلاة، لكونها الفارقةَ بين المؤمن والكافر، قال صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وقال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) وقال: (اتقوا الله في الصلاة، اتقوا الله في الصلاة، اتقوا الله في الصلاة) . وهي لذلك أول ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت