{وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}
الآيات 105 - 114
قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) }
الأصل في الفصل بين الناس أن يكون بالعدل، وميزان العدل مصدره الله تعالى بما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، ولو ادعى مدع أنه قادر على تحقيق العدل مما سواهما لكذبته شواهد المظالم في كل النظم الوضعية منذ شذت البشرية عن منهج الله واستبدت بأمر العامة في مشارق الأرض ومغاربها، بما في ذلك مجتمعات المسلمين الذين استبدلوا قوانين الأرض بمناهج الإسلام وشرائعه، فأصبحوا تحت سنابك الغرب وأحذية الغزاة أذلة مقموعين، خانعين يحسبون كل صيحة عليهم. ولئن كان من أهداف سورة النساء حماية الأمة الإسلامية من عوامل الاستضعاف، بما وضعت له من مضادات في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والمدافعة هجرة وجهادا ووحدة وتناصرا، فقد كانت خاتمة هذا القسم منها بيانا لمخاطر الخيانة في المجتمع ومفاسد التخاون بين المسلمين، وما يؤدي إليه ذلك من تخريب داخلي لحصونهم، وتهديم لأركان دولتهم، فبدأت أولا بالمحور المشترك الذي تدور حوله الحياة السوية وهو العدل الذي يعتبر كل خروج عنه خيانة، ليكون مرجع التحاكم وميزان تمييز الحق من الباطل عند كل خلاف أو نزاع أو طغيان جهالة، وذلك بقوله عز وجل: