الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ 238/ 239.
{وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} لا تضعفوا ولا تكسلوا في طلب عدوكم وقتاله {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} إن كان الجهاد يشق عليكم خوضه وينالكم بسببه الألم بالتعب والجراح والقتل فإن ذلك يصيب عدوكم أيضا وليس من المروءة والشهامة وقوة الإيمان أن تكونوا أضعف منهم {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} وتمتازون عن عدوكم بما ترجونه من وعد الله لكم بالنصر والأجر أو الشهادة وعلو المقام في الجنة، وهو سبحانه لا يخلف وعده {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} عليما بأحوالكم ومدى إعدادكم وصدق جهادكم وصبركم على مكاره القتال وآلامه، حكيما في إيلائه النصر والتمكين للمجاهدين أو اختيارهم شهداء مع النبيئين والصديقين والصالحين.
لقد نَهى الله تعالى المسلمين في هذه الآية عن الوهن في طلب أعدائهم وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة غيرها تعالجه من كافة جوانب النفس كقوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} آل عمران 139/ 140، وقوله: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} محمد 35، وضرب للأمة المثل بطليعة الأنبياء والمرسلين في الصبر والثبات واستعلاء الإيمان ومواجهة الموت في سبيل الله فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} آل عمران 146.
إن أعداءكم لا يقصرون في طلبكم وهم على ضلال، فلا تقصروا في طلبهم وأنتم على الحق، وإذا احتمل المشركون آلام الحرب وليس لهم إلا جهنم فأحرى بكم أن تحتملوها وأنتم إلى الجنة، ولئن علت أحقادهم عليكم فوق آلامهم فصبروا، فأنتم أولى بأن تربو عقيدتكم على ما تجدون من مشاق الجهاد فتصمدوا ولا تهنوا، وسبيل العصبة المؤمنة دائما أن تحتمل، وأمْرُها دائما إلى خير، حتى الشوكة تشاكها لها بها أجر. وليس للموت الذي يخافه الكافر أدنى أثر في نفوس المؤمنين، لأنه سبيل كل حي، وكتابه لا يؤخر أو يقدم، فطوبى لمن علم وفهم، وسُوأَى لمن غفل وندم.