فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 326

الجهود لصرف المؤمنين الصادقين عن مقتضيات عقيدتهم وثوابتها والمعلوم منها بالضرورة، ترهيبا بالسجون والمنافي والقتل أو ترغيبا بالمناصب والأموال، أو تمويها على البسطاء والسذج بالتأويل الفاسد ودواعي المصلحة والتطور، تختلف صور الضلال والإضلال في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، ويبقى الهدف واحدا هو أن تغيب عن الأمة وقلوب أهلها معالم الدين، وأن ينفسح مجال التسيُّب عن تعاليمه وشرائعه. لذلك لم يكد الوحي يكمل منظومة العلاقات العامة داخل الأسرة المسلمة بما يحفظ تماسكها وحقوق أعضائها وضوابط تعايشهم رجلا سَلَمًا لرجل، لا يستضعف أحد منهم أخاه ولا تستطيل فئة منهم على فئة كما سبق في القسم الأول من سورة النساء، حتى اتجه لبناء وجهٍ آخر لهذه العلاقات متعلقٍ بحماية كيان الأمة من أي استضعاف مكتسب داخليا بتصرفات بعض أهلها، أو خارجيا بمكر من أعدائها، وبدأ بالتحذير من شوكة مُنْزَرِعة في الجسم الإسلامي لا هم لها إلا توهين العقيدة في قلوب المسلمين وردهم إلى حالة من الاستضعاف تجبرهم على ترك الإسلام والردة عنه. من أجل ذلك خاطب الحق سبحانه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ} ، ولفظ: {تَرَ} فعل مضارع مجزوم بحرف"لم"، من"الرُّؤية"بالضم، وهي إدراك المرئي، وتكون بحاسة العين كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} يوسف 31، أو بالوهم والتخيل كقول فرعون لقومه: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى} غافر 29، أو بالعقل والقلب كقوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} النجم 11، أما الاستفهام في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} بهذا السياق فهو استفهام إنكاري وتعجبي وتقريري، إنكاري لحال أعداء الدعوة وضُلَّالهم في عصر البعثة وفي كل زمان، وتعجبي من كونهم من أمة التوراة والرسالة الموسوية وقد أوتوا نصيبا من الكتاب، ومع ذلك صدرت منهم أفعال وأقوال بعيدة كل البعد عن مرجعيتهم الدينية التي يدَّعون، وتقريري لما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم، رؤية بالعين أو مخالطة في المجتمع أو إخبارا من الله تعالى، وما عَلِمه من حالهم وتصرفاتهم وما واجهوه به من إنكار للرسالة والوحي، وتقدير ذلك: قد رأيت يا محمد ببصيرتك وبصرك إلى ما طبعت عليه طائفة أوتيت {نَصِيبًا} بعضا من الكتاب وأضاعت بعضه الآخر، إشارة إلى قوله تعالى في سياق آخر: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} ، البقرة 85،

أما الكتاب في قوله تعالى: {منَ الْكِتَابِ} فهو التوراة لأن اليهود هم الذين كانوا مع المسلمين بالمدينة، وإن كانت الآية تعني كذلك أصحاب الإنجيل، لأن كلا من الطائفتين نسيت حظا مما ذكِّرت به ولم يبق بين يديها من كتابها بعد أن تدخلت أيدي الأحبار والرهبان في نصوصه حذفا وتحريفا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت