الصفحة 111 من 375

قد تخلى إلى حد كبير عن ذلك النموذج، إلا أن نظرية لويس عن صدام الحضارات وتحليلاته مازالت تجد طريقها بدرجة لافتة في الإعلام والتيار السائد. وإن كان لويس قد ابتعد عن الأضواء في عهد أوباما، فمازال فؤاد عجمي يدعو إلى نموذج «صدام الحضاراته بحماس كبير، كما تفضح مقالته في دورية نيويورك تايمز بووك ريفيو التي تجزم بأهمية تلك الصياغة التي استلهمها هنتنجتون من لويس. يستند مثل هذا الخطاب الحضاراتي» إلى الاختلافات الثقافية، العدائية التي تفصل العقل العربي/ الإسلامي عن العقل الغربي ذي التوجهات الإنسانية، وهذا الخطاب الذي تفصل به لويس بكل مرونة وسيولة هو نتاج مانتي عام من الدراسات الاستشراقية. تفحص إدوارد سعيد الكيفية التي ظل بها هذا الخطاب ذاته يتخلل جميع الدراسات الغربية عن «الشرق» طوال قرنين من الزمان. وفي واقع الأمر، فقد تعاطي سعيد مع لويس في عدة مناظرات عامة في الثمانينيات، وكشفه من خلالها بصفته تجسيدا لأكثر أوجه الاستشراق سوء، وفضح افتقاده لسعة الاطلاع والتعقيدات التي تميز هذا الموروث. وحقا، فإلى جانب أوجه قصوره العديدة، فإن أعمال لويس تفتقد الصرامة الأكاديمية، والتحليل النصي الحكم الذي يميز مناهج البحث على أساس من فقه اللغة والتي تبناها الاستشراق. ولا تتمثل مشكلة لويس في أنه ليس استشراقيا متفقها فقط، بل في أنه استشراقي رديء. وفي واقع الأمر، فإن ذلك التبسيط، وتلك الفجاجة الأكاديمية هما تحديدا بسبب وجود أتباع كثيرين له في دوائر صناعة السياسة و إعلام التيار السائد.

مهمة نشر المدنية ما بعد الحداثية

تتيح الزاوية الحضاراتية - طرح ثنائية التمايز بين الإسلام، والغرب للويس وأتباعه فرصة لإغفال قرنين من التغيرات الدينامية الاجتماعية والسياسية والثقافية في العالم العربي، مثلما يبري خطاب صراع الحضارات بوضوح الغرب من أية مسئولية عن الأوضاع السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي، علاوة على ذلك، يجد القراء، والمناصرون لتلك الرؤية من السهل تخطى الحاجة إلى التفحص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت