تبرير الحكم الاستعماري. بيد أنه، وكما أوضح لنا إدوارد سعيد، فإن الاستشراق ليس مبحثا جامدا لا يتغير. تنامت المعرفة الاستشراقية وتغيرت النماذج المعيارية کي تستوعب الحقائق الكوكبية الجديدة، وبخاصة صعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قوتين عظميين. من المفارقات أنه بمجرد أن بدأ الاستشراق كمبحث يفقد وضعه وتوجهه بسبب كتابات إدوارد سعيد الرائدة حتى ظهرت سلالة استشراق جديدة بدت وأنها قامت على أنقاض النماذج المعيارية القديمة التي كان قد تم تفكيكها.
في أعقاب عاصفة الصحراء (أو حرب العراق الأولي) ظهرت الإسلاموفوبيا کمزيج من تحليلات الاستشراق الأكثر عنصرية واختزالا. وفيما أوجد الاستشراق متنا من المعرفة الضرورية لخلق مجال للدراسة يتبعه خلق موضوع للهيمنة، انبثقت الإسلاموفوبيا في البداية عن مراكز الأبحاث ومعلقي دوائر واشنطون المغلقة. ليست الإسلاموفوبيا مبحثا مثل الاستشراق، ولا تتطلب تعليمة أو تدريبا في مجال اللغات وفقه اللغة، وتحليل النصوص والتاريخ والأنثروبولوجيا بل هي تشكيل أيديولوجي ينتقل من مراكز الأبحاث إلى جماعات الضغط ومجموعات الفعل السياسي، وفي نهاية المطاف إلى جميع فروع الحكومة الفدرالية، وحكومات الولايات، والحكومات المحلية من أجل العزل المباشر لمسلمى الولايات المتحدة ومسلمي العالم واستهدافهم وشيطنتهم. وبتواطؤ مع الإعلام الجماهيري، وجماعات المصالح، والمعلقين، والمتحدثين والمرشدين المعلمين، ومركز الأبحاث، يتم تحويل التعليقات الأيديولوجية التوجيهية إلى تحليلاته وصفية مقبولة بعامة لحقائق ثقافة العرب والمسلمين ومجتمعاتهم ودينهم.
في ظل الرؤساء كلينتون وبوش وأوباما، واكب تفشي نماذج الإسلاموفوبيا مستوى جديدا من السياسة الخارجية الأمريكية العدوانية - بل وديبلوماسية المدافع - في العالم العربي. أما في الداخل الأمريكي، فقد وظفت الإسلاموفويبا کتبرير أيديولوجي الحرمان عشرات الآلاف من الحريات المدنية، وتكوين ملفات عنهم والاحتجاز غير القانوني لعشرات الآلاف من المقيمين الشرعيين، والتغاضي عن اختطاف المشتبه