ولم يكن القنصل الفرنسي متحمسا للشكوى وأصحابها، ولكنه كان بخشي احتمال نشر القصة بالصحافة الفرنسية المحلية فيصل الأمر إلى باريس، ولم يكن قد مضى عام على توقيع «الوفاق الودي ه، ولذلك كان على كرومر أن يقدم ترضية له، فأمر کارتر أن يقدم اعتذارا للقنصل الفرنسي عما حدث.
وقد دهش الورد لرفض كارتر تقديم الاعتذار مصرا على أنه قد أدى واجبه، وزاد على ذلك برفضه صيغة الاعتذار حتى لو كان مخطئا، ومن ثم كان عليه أن يترك
خدمة الحكومة المصرية، وبذلك يقدم مثلا للتدهور الإداري الناجم عن المجاملة التي تتجاوز أصول المعاملة الرسمية. ولعل قدراته الخاصة استطاعت أن تفتح له الطريق، وإلا لما كانت رسومه المائية للوحات الجصية المصرية قد حققت ما حققته من شورة، وما كانت قد حققت له الشهرة التي جلبها له کشف مقبرة توت عنخ أمون، ولما كنت وريتشموند نجهل ذلك، فقد أبدينا تعاطفنا مع كارتر باعتباره بطلا يسعى لتدمير نفسه
وكانت إيجارات الشقق بالقاهرة (قبل ثلاثين عاما) (*) لا تغطي سوى المكان والأدوات الصحية، ولكن توصيل الكهرباء وحتى الأجراس لا يدخل في مسئولية المالك. وكان على وريتشموند أن نتحمل تكلفة ذلك عندما انتقلنا إلى شقة بالعمارة 2 شارع شريف التي كانت مملوكة للسيد إبراهيم وفا، وتضمن عقد الإيجار نصا يقول إن المالك يتعهد بمعاملة المستأجر معاملة الأب الطيب للعائلة، وهكذا عشنا سعداء مقابل إيجار زهيد، وإن كان التأثيث شاقا: لأن النوق الإيطالي - الشامي الذي يغلب عليه التذهيب والطلاء الأزرق الفاتح والرخام يثير الامتعاض. واضطر ريتشموند في نهاية الأمر أن يصمم الأثاث، ويكلف نجارا محليا بعمله.
كان من الممكن أن أظل بسكرتارية المالية إلى الأبد، وقد أرقى إلى مراتب مجهولة، وقد أنزل في هوة سحيقة، لولا تمتعي بكرم وعطف الليدي كرومر التي كنت أحمل لها خطاب توصية، وقد استدعتني للقائها فور عودتها من إنجلترا، وسالتني عما إذا كنت أحب عملي؟ فقلت لها إنني لا أستطيع أن أؤكد ذلك: لأنه ليس لدي عمل ما. فنقلت هذه المعلومة إلى اللورد كرومر الذي أسعده أن يعرف ما يدور داخل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) من وقت تدوين هذا الكتاب.