جنيهات شهريا حصلت على غرفة نوم بحمام مضامة بالكهرباء ووجبة إفطار غنية أتناولها في السابعة والنصف صباحا.
أما زملائي بالإسكندرية، فقد كانوا يعيشون معا في ظل نظام صارم شغل معظم تفكيرهم ووقتهم، وفي القاهرة، كان الموظفون الإنجليز الصغار يعملون مفتشين أو وكلاء إدارات يحيط بهم أصدقاؤهم ومعارفهم، ولكني كنت وافدا جديدا وحيدا بوزارة المالية، بلا أصدقاء أو معارف، ثم حققت تقدما في هذا الاتجاه عندما تعرفت على أرنست ريتشموند ابن السير وليم ريتشموند الرسام، وحفيد جورج ريتشموند الفنان وصديق وليم بلاك، ولم يكن صديقا جذابا کريما فحسب، بل تعلمت منه الكثير الذي يجعلني مديئا له بالفضل، وقد أحب ريتشموند المصريين وأحبوه، وتعلمت منه المشاركة في الحديث مهما يكن موضوعه جدا أو هزة، وقد أتاح لى ذلك التعرف على المصريين وتحسين لغتي العربية.
وقد أخذني للإقامة معه في الشقة التي يسكنها مع هوارد کارتر مفتش الآثار الذي كان يعمل بمنطقة سقارة، وحرصا من ريتشموند على عدم إثارة غضب کارتر الذي أشيع عنه حدة الطبع (وهو ما لم ألمسه فيه) ، زعم له أنني مجرد ضيف، رغم أني كنت شريگا لهم بالشقة.
وقد عاد کارتر إلى الشقة ذات مساء، يبدو عليه الضيق وذكر لنا القصة التالية: بحكم كونه مفتش أثار سقارة فهو مسئول عن السرابيوم حيث تقبع أربع وعشرين مومياء للعجل المقدس، جاء كبير الخفراء مهرولا ليخبره أن هناك مجموعة من صغار الموظفين الفرنسيين والبلجيك جاموا إلى السرابيوم، وأنهم يشربون الخمر ويتصرفون في المكان تصرفات غير لائقة، فذهب کارتر إليهم باذة النصح لهم، ولكنهم لم يهتموا به، فما كان منه إلا أن أطلق عليهم ثلاثة من الخفراء السودانيين الذين طرحوا اثنين أو ثلاثة أرضا، وكان القصد من تصرفه هذا الحرص على حماية الآثار التي تقع مسئوليتها على عاتقه، ولكن بمجرد عودة أولئك الزوار إلى القاهرة قدموا شکري رسمية ضده إلى القنصل الفرنسي المسيو دي لابوانييه، فاستدعاه کرومر لمقابلته التأنيبه على ما فعل، ولكنه خرج بانطباع (أيدناه فيه) أن اللورد کرومر مرتاح الطريقة التي تصرف بها کارتر؛ فقد وجد اللورد أقل انزعاجا مما كان متوقعا.