من مثل تلك البيئة، وذلك الوسط، عدت إلى مصر في يوليو 1900 مفعما بحنين إلى الوطن يقترب من اليأس، وكانت رحلتي بالقطار عبر أوروبا إلى تريسته لالحق بباخرة شركة أوستربان لويد مليئة بالحيوية، فقد دخلت في حوار مع أحد الإيطاليين الوطنيين، احتجت فيه إلى التحلي بالصبر لجهلي بلغته، ولكن الحديث كان ممتنا حتى غادر القطار في فيرونا، فخططت في نوم عميق، مما أدى إلى فقدى المواصلة التي تحملني إلى تريسته، وجدت نفسي في البندقية (فينسيا) عند منتصف الليل. وقد بدا على الارتباك والضيق حتى إن سيدة أجنبية كانت في نفس مقصورة القطار تجيد الإنجليزية، سالتني عن السبب، وأمرت صاحب الجندول أن ينقل مناعي إلى قصرها في ريو خارج القناة الكبرى، وقد تناولت العشاء مع السيدة، وسالتني عن مصر، ثم أعادتني إلى المحطة في الساعة الواحدة والنصف صباحا لأستقل القطار إلى تريسته، ولم أستطع التعرف عليها، وسواء كانت على قيد الحياة أو توفيت فأتا مدين لها بالشكر.
وعندما بلغت المحطة، علمت أن القطار لن يغادر فينسيا قبل السابعة والنصف صباحا، ولن يصل إلى تريسته قبل الظهر، وكانت الباخرة سميراميس، التي سأستقلها إلى مصر ستبحر في الثانية عشرة والنصف، فاتخذت مقعدي بالقطار وحولي متاعي، واستغرقت في النوم.
وقد تحرك القطار في موعده، ولكنه أبطأ كثيرا في سيره بعد ميستر، وأصبح واضحا أنه لن يصل إلى تريسته قبل الواحدة بعد الظهر. فأحسست باليأس، وما قد يقال عن موظف مبتدي لا يحترم المواعيد، يعود من إجازته بعد خمسة أيام من موعد العودة من أول إجازة يحصل عليها، وأصابني الفزع، فنزلت في عدد من المحطات بالطريق لأرسل برقيان لقبطان السفينة بالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية بأسماء مختلفة مستعارة راجيا إياه أن يرجى الإبحار لمدة ساعة واحدة، وبعد ذلك - كما يقول العرب - سلمت أمرى لله، وكانت الساعة قد بلغت الثانية بعد الظهر