عندما تحركت بي العربة في اتجاه الميناء، وهدأت نفسي عندما رأيت علم شركة أوستربان اويد يرفرف فوق الباخرة، سميراميس، التي كانت لا تزال راسية هناك. وحملت أوراقي وجواز سفري في يدي وهرعت إلى مدخل الباخرة، فسالني الموظف: و أين بقية المجموعة؟، فقلت له إنني أسافر وحيدا ولا أدري عنهم شيئا، وما كدت أصل إلى مقصورتي بالباخرة، حتى قرر القبطان الإبحار بعد عشر دقائق، بون انتظار للأخرين، ولم يسألني أحد عما إذا كنت قد أرسلت برقيات طالبا إرجاء الإبحار، ولم تتح لي الأيام الأربعة التي قطعتها الباخرة في رحلتها إلى الإسكندرية فرصة الاحتكاك بالقبطان أو ضباطه أو حتى المسافرين الآخرين.
وكان الوزراء المصريون ووكلاء الوزارات والسكرتارية الخاصة بهم قد انتقلوا عندئذ إلى الرمل بالإسكندرية لقضاء الصيف، وكانت الرمل ضاحية مليئة بالحدائق، وليست محاطة بمبان خرسانية كما هو الحال في جاردن سيتى بالقاهرة، وتحولت أجنحة فندق كازينو سان استيفانو إلى مكاتب، وكان معظمنا بفضلون العمل في الشرفات المطلة على البحر التي تحجب المظلات الشمس عنها، وفي الدور السفلي كانت تقع قاعات الطعام والشراب والرقص، وكان الأطفال يلعبون ويصرخون حتى الظهيرة، ويهدأ المكان بعد الظهر، وتتألق الموائد المغطاة بالرخام لاستقبال مجموعات من الأوروبيين الذين يتولى خدمتهم نوبيون يعملون ببطء ولكن دون توقف حتى في الساعات الباكرة من الصباح.
ولم أكن أعرف أحدا بالفندق الذي استأجرت فيه حجرة صغيرة في نهاية المدخل، بعيدا عن البحر مقابل ثلاثة عشر شلنا يوميا للإقامة الكاملة، وكانت الإسكندرية - عندئذ - تبدوخالية من الناس، فكنت أمشي لمسافات طويلة على الشاطئ الشرقي دون أن ألقي أحدا. وكنت أسبح أحيانا وأركب الخيل أحيانا أخرى، أو أجمع بين الاثنين معا، وقد جددت صداقتي مع هاري دي لاروس فرنال الدبلوماسي البريطاني عضو صندوق الدين (المصري) ، وهو من الروس القلائل الذين يعيشون خارج بلادهم، وكان فرنال يحمل بين جنبيه قلبا من ذهب، موسوعي المعرفة محبا للشعر، رغم مظهره المتأنق وملامحه الصارمة، ولم يكن له تأثير شخصي على. غير أنه أعطاني کتابا صغيرا جعلني أقترب من عالم دانتي.