الصفحة 256 من 660

قبيل السابعة والنصف من مساء الخميس 28 من سبتمبر 1911، كان رصيف محطة القاهرة مزدحما بقناصل الدول وكبار الموظفين وكبار رجال الدين، وخلال السنوات الخمس والعشرين الماضية رحل الكثير من تلك الشخصيات التي كانت لامعة عندئذ، وأصبح بعضهم الآخر مديرين أو محافظين أو سفراء أو وزراء، ولم يبق من كل هؤلاء سوى سعيد ذو الفقار باشا مدير مراسم الخديو عباس حلمي الثاني الذي ظل يخدم في نفس الموقع أربعة من الحكام، تولى خلالها استقبال وتوديع الوزير أو المندوب السامي، ومازال بعد ربع قرن من إعادة ترتيب وضع الأسرة الحاكمة والحرب يمارس نفس الوظيفة بما له من خبرة فيها في خدمة ابن عم سيده الأول.

وما كاد القطار يتهادي داخلا الرصيف حتى أخرج الجميع ساعاتهم من جيوبهم ونظروا إليها، فقد وصل القطار الخاص الذي يحمل اللورد كيتشنر قبل موعده بدقيقة واحدة، ونزل من عربة القطار ذلك الرجل المشهور في كل مكان، وفي كل بيت في مصر، منتصب القامة، عسكرى الخطوات رغم زيه المدني حيث كان يرتدي معطف (الفروك) الرمادي التقليدي، والقبعة العالية التي يرتديها دائما ممثلو بريطانيا العظمى، وبدا اللورد منشرحا: لأن فرصته المتاحة في الشرق الأدنى وليس في غيره من المناطق، كما أنه يعرف معرفة شخصية الكثيرين ممن تجمعوا لاستقباله وتحيته، ومر على البساط الاحمر الممتد إلى الباب الرسمي الذي لا يفتح إلا للشخصيات ذات المقام السامي، واستعرض حرس الشرف من جيش الاحتلال البريطاني والجيش المصري، محاطا بالتصفيق الحاد من حشود المصريين التي تجمعت أمام المحطة، رغم أنه كان من المتوقع أن يكون موقفها معاديا بسبب الحملة التي قادتها الصحافة المتطرفة ضد تعيين «سفاح الخرطوم، معتمدا بريطانيا في مصر، وسار موكب اللورد حتى بلغ قصر الدوبارة، وقد ربط بعض الحضور بين هذه المناسبة برحيل اللورد كرومر، أكبر مصلح أجنبي عرفته أمة شرقية، وكان كرومر قد اتجه إلى المحطة في نفس العربة التي حملت كيتشنر، ولكن وسط شوارع سادها صمت مطبق كالثلج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت