وقد سبقت رئيسي الجديد في الوصول إلى قصر الدوبارة بسيارة سريعة متواضعة، ورتبت أوراقي، وجلست في الديوان أنتظر رنين الجرس لاستدعائي. ورغم الإثارة والمشاعر المتصلة بموكب القدوم، كان عندي سبب متواضع للحماس، فقد كان تعييني الأصلي في هذه الوظيفة بتوصية من السير ألدون جورست الذي كان اللورد كيتشنر على علاقة حميمة معه لسنوات حفلت بتبادل المجاملات بينهما، وكان أول لقالي باللورد كيتشنر عام 1910، عندما تناول الغداء بدار المعتمد البريطاني بعدما استقال من منصب القائد العام في الهند، وكان في طريقه إلى لندن. وقد ظننته - عندئذ - متعاليا وعدوانيا، فالجو العام عندئذ كان سيئا على أية حال، وكانت المناسبة الثانية التي التقيته فيها في حفل عشاء كبير أقيم في شارع أرلنجتون، عندما التقى اللورد کيرنون لأول مرة منذ افتراقهما بالهند. وعندما سال خالي ماري گست اللورد کيرنن بعد بضعة أيام عن علاقتها الحالية قال: إننا نلتقي بدون شعور بالخجل من ناحيتي، وعلى كل فأنا لا أنشد صحبته .. وكان استقباله على محطة القاهرة هو المرة الثالثة التي قابلته فيها.
لقد جاء فرعون لا يعرف يوسف، ولا يحب أصله الرسمي، وقد أفهمت - بصورة مؤكدة - أنني موضع قبوله، وأنني يمكن أن أعود في أي وقت، مما جعلني أشك في صعود نجمي، وأخيرا جاء رنين الجرس، وخطوت داخل تلك الحجرة المعنية التي تشبه حجرة ناظر المدرسة، والتي اتخذ بها العديد من القرارات المهمة، وتحدد فيها المستقبل الوظيفي لبعض المصريين، وانتهى بالنسبة لبعضهم الآخر، وحملت معي صينية عليها كومة كبيرة من برقيات التهنئة، كتبت بالإنجليزية والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، واليونانية، والتركية، وفوق كل ذلك: العربية، وتحمل توقيعات أمراء وباشاوات وكبار رجال دين، ورجال بنوك، وشيوخ، ومديرين وضباط كبار من الذين ينشدون الاستفادة من المناسبة تزلفا أو شهرة.
وكان الفيلد مارشال (كيتشنر) يسدد النظر إلى المكتب سائلا عما تحتويه تلك الأوراق، فأجبته، وسالته عما أفعله بها، فقد جرت العادة أن البرقيات الواردة من أفراد الأسرة الحاكمة والوزراء والوزراء السابقين يتولى الرد عليها السكرتير الأول أو الثالث حسب مكانة الشخص عند دار المعتمد، ويتولى السكرتير الشرقي توجيه