كانت روح إنجلترا ومظهرها في الأيام الأولى للحرب اندفاعية أكثر من كونها قتالية (وكان ذلك واضحا حتى في لندن) ، ويرجع ذلك في جانب منه إلى أننا لم نكن عندئذ (ولازلنا الآن) دولة عسكرية، كما يرجع في جانب أخر إلى حدوث تغييرات في فن الحرب، وخلال حملة جنوب أفريقيا في 1899، سارت القوات من مختلف الأسلحة بالفرق الموسيقية في الشوارع تصحبها دموع الاقارب وهتافات غيرهم. وكانت الأرقام التي يحملونها والألقاب والوحدات وغيرها من المعلومات (مثل أسمائهم وأوزانهم وأعمارهم) متاحة لمن يريد استخدامها من الأعداء؛ إذ كانت منشورة ومصورة في الصحف، ومن ثم كانت بين يدي جنرالات البوير قبل أن تصل القوات إلى الميدان بوقت طويل، وفي أغسطس 1914، كانت غالبية القوات تعبر القنال الإنجليزي وتتجه إلى الجبهة قبل أن تعرف الزوجات والشقيقات أنهم قد غادروا معسكراتهم، غير أنه لم يكن هناك دليل واضح عن مدى الاستعدادات النهائية، بل على العكس كان الهدف غير واضح، كما لم تكن هناك خطة محددة، وأذكر أنني شعرت أننا نبالغ في تقدير الأمور، وعندما حاول اللورد كيتشنر الاتصال هاتفيا بالقائد العام الفرنسي، اتضح أن الخط معطل.
كان على أن أعود إلى مصر يوم الجمعة السابع من أغسطس، فاشتريت مسدس براوننج، ومائة خرطوشة رصاص، عندما أدركت احتمال الوقوع في يد أحد عملاء الأعداء في أحد شوارع القاهرة الجانبية دون أن أكون مسلحا، وودعني خالي هاري کست و زوجته نينا عند باب منزلهما، فكان هذا وداعي الأخير له، وودعنى أبي وأمي وأخي فرانسس على رصيف الميناء في تلبوري لتحملني الباخرة مولتان في رحلة كتيبة بعيدا عن إنجلترا لمدة ثلاث سنوات غريبة.
وكانت الباخرة مكتظة بالركاب، فقد كان هناك سبعون ضابطا يزيدون على الطاقة الاستيعابية لتصورات الدرجة الأولى، ينامون كالسردين، واستغرق وقت تقديم طعام العشاء ساعتين ونصف الساعة، وكان كل ثمانية من الرجال ينتظرون