إذا خضعت تركيا للإلحاح الألماني المتواصل وانضمت إلى دول الوسط - كما يبدو ذلك الأن مؤكدا (1) - يجب أن تهتم مصر بحدودها الشرقية، لأنه رغم أن أعداءنا لا أمل لهم في النجاح في غزو مصر (ومن ثم يقطعن حبل الوريد للإمبراطورية البريطانية) ، فقد يستطيعون احتواء آلاف الجنود الذين يمكن أن يقفوا في مواجهتهم على الحدود الغربية.
لقد كانت مصر - من الناحية الإستراتيجية - حتى قرب نهاية الحرب جزيرة محاطة بالبحار والمحيطات من الرمال التي تصعب الملاحة فيها، واستطاع المخططون الإنجليز في مجالي السياسة والعسكرية أن يخرجوا البحار من اعتبارهم، وكان الجو لا يزال عاملا محدودا جدا، لم يتطور سلاحه ولم تتم تجربته، ولم يكن هناك إلا نوع واحد من السفن يستطيع أن يخترق سيناء: الإبل. سفن الصحراء (2) . وكنا ندرك تماما أن الجمال ضرورية جدا وفعالة كأداة نقل قد يستخدمها الغزاة عبر سيناء، وأن عرب الحجاز يمكنهم تزويد أولئك الغزاة بأسطول من الإبل، وبذلك كانوا في وضع يسمح لهم بإسراع إيقاع الهجوم التركي، أو إبطائه بالامتناع عن تزويدهم بالإبل. أو بتهديد جناحهم الأيسر.
وكنت لا أزال أنكر كيف أن الشريف عبد الله قد غادرنا في ربيع ذلك العام ويده مسدودة، طالبة العين منا، ولذلك قدمت مذكرة مختصرة، ذهبت فيها إلى أنه في حالة التشاور مع مكة في الوقت المناسب يمكننا ضمان حياد الجزيرة العربية في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تم توقيع معاهدة التحالف السرية التركية - الألمانية في 2 أغسطس، وصاحب ذلك تلغيم الدردنيل ..
(2) نهب البعض إلى أن هذه المقولة مجانية لم يستخدمها أصحاب الإبل أنفسهم، فلو رأي البدي باخرة تمخر عباب الحيط لما جرؤ أن يطلق عليها السمه جمل البحر ..