وقامت مصلحة المساحة المصرية بإعداد تصميمات الطوابع التي جعلتها أقرب ما - تكون إلى السمات العربية، ومن خلال اجتماعات مع بعض أصدقائي المصريين أدركت مدى حرص لورانس على أن يلتمس المعرفة من مصادرها، وأرسلت حسين روحي إلى مكتبه ليطلعه على كل ما يعرفه عن الحجاز: قبائله، وطرقه، وأباره، والمسافات بين مختلف مواقعه، وأخيرا طلب مني صراحة أن أصحبه معي في رحلتي التالية إلى جدة، ولم يكن هناك ما يسعدني أكثر من تدبير ذلك، وحصل على موافقة رؤسائه العسكريين الذين لم يترددوا في ذلك تخلصا منه إلى حين، وقد سجل ما كنا نتمناه ونحن نسير في شوارع جدة، ولم يلاحظ أحد أن ظهر معطفه قد أصبح يحمل بقا مختلفة نتيجة جلوسه على مقعد جلدي سيئ الدباغة، وعندما سمع عبد الله يقرأ برقية فيصل التي جاء فيها: إنه ما لم يتم إبعاد الطائرات التركية فسوف ينفض شعل العرب، علق بقوله: «إن الطائرات التركية لا تستطيع الاستمرار في عملها أكثر من أربعة أو خمسة أيام، وقد بهرت معرفة لورانس التفصيلية بما لدى العدو من إمكانات الشريف عبد الله، خاصة عندما أخذ يحدد موقع القوات التركية على الخرائط بمهارة بالغة، ومع تواتر الأسماء السورية والجركسية والاناضولية والعراقية، حدد لورانس بدقة موقع كل وحدة حتى إن عبد الله التفت إلى قائلا: «هل هذا الرجل إله يعرف كل شيء؟.
وقد سجلت في يومياتي أنني ذكرت عبد الله بأنني قد حصلت من الشريف حسين عند حديثي معه هذا الصباح على إذن بالسماح للورانس بالتوجه حتى بئر عباس. وطلبت منه أن يزود لورانس بخطابات توصية إلى علي وفيصل، وأصبح عبد الله الآن أسير شخصية لورانس حتى إنه جعل والده هو الذي يكتب خطاب التوصية إلى فيصل، وهو الخطاب الذي حقق حلم لورانس (17) . ومازلت أنكر لورانس وهو يلوح لنا ممتنا، ونحن نتركه على ساحل رابغ قبل عودتنا إلى مصر، وقبل أن نلتقي به مرة أخرى كان قد بدأ يكتب صفحته البديعة في تاريخ إنجلترا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(17) عبرت البرقية التي أرسلها إلى المكتب العربي: تعبيرا ضمنيا عن تطلعات المستقبلية، وقد الخصر فيها كل ما دار في المقابلة مع عبد الله، وما أبداه عزيز على المصرى بك لنا من آراء حول الموقف العسكري •