إنني فعلت ما يتجاوز حدود التأنيب عندما قلت له إن عدم حضوره لا يعنيني إذا كان قد أبلغني بعدم حضوره مقدما حتى أدعو غيره لتناول العشاء معنا.
ويبدو أنه قد هضم تماما كل ما استطعت أن أنقله إليه من معرفة عربية عندما کنت موجودا معه على الضفة الغربية القناة السويس. وأحيانا كنت أروى له أشياء المجرد الرغبة في معرفة تعليقه عليها، وكان شغوفا بالسير في الأسواق لا برهنه المشي، كما أحب زيارة المساجد الأثرية، ووجدت فيه - منذ البداية - شخصا جذابا، محئا لبقا، يحب أن تسمى الأشياء بأسمائها، وألا يكون التصرف حيالها مقيدا بقواعد اللياقة، خاصة لو كان ذلك ناتجا عن إجراءات رسمية، ولم يثق بإنسان مثل ثقته بهوجارث، فترتيبه لسفرة المنحة الدراسية أعطى هوجارث فرصته الأولى في الحياة،
بعد قيام الثورة العربية بقليل وجدنا أن صحافة الأعداء تنكرها أو تخفي أنباءها (وكانت تلك الصحافة تؤثر في البلاد المحايدة) ، ورأينا أن أول برهان على نجاح الثورة إنما يكون بإصدار طوابع بريد الحجاز التي تحمل الدعابة العربية، وتكون قابلة للبيع والتبادل في أركان الأرض الأربعة، وسارع السير هنري ماكماهون بالموافقة، كما وافقت الخارجية البريطانية على اقتراح بهذا الصدد، وقد كتبت للملك حسين بشأن هذا الموضوع، فرد على برجوع البريد مقترحا أن تتخذ الطوابع رسوما من العمارة الإسلامية، على أن تكون مميزة عن غيرها مما هو شائع، وأحسست أن ذلك لن يفي بالغرض، وتجولت في المتحف العربي مع لورانس بحثا عن أفكار مناسبة التصميم الطوابع متضمنة الكلمات والروح والزخرفة العربية الخالصة، وكذلك عن التطلعات العربية، فاستبعدنا المناظر والصور لكونها غريبة على الحضارة العربية ولا تشكل مكونا من مكونات الفن العربي، كما أن خطوطها أوروبية، وكان واضحا أن لورانس قد استوعب على الفور الفكرة، ولديه المهارة الفنية الخاصة بالطوابع المكونة من ثلاثة ألوان، وبذلك تتوافر له القدرة على متابعة الموضوع من بدايته حتى نهايته، وخلال أسابيع قليلة استطاع أن ينجز هذا العمل.