إن طبيعة عدم الانضباط والتشنج التي يتسم بها التنظيم العربي، والعمليات التي يتم تنفيذها، برهان إضافي على ضرورة وجود قيادة مستقلة للحملة، ولا يبدو أن هناك ضابطا مسلما نادر على تجميع تلك القدرات مثل عزيز على المصرى بك. والأمل معقود على أن تتوافر عند الشريف حسين الشجاعة وضبط النفس ليجعل من تعيينه وزيرا للحربية حقيقة واقعة.
ولم يكن أحد منا يدرك أن هناك من هو أكبر من عزيز يتولى القيادة بالفعل.
لا أدري كيف أصبحت صديقا للورانس، ولكن صداقتنا لم تبدأ مع أول اتصال رسمي بيننا على أي حال، ولم أكن قد سمعت عنه قبل شتاء عام 1914، عندما أصبح عضوا بفرع المخابرات بقوة الدفاع عن مصر، وفجأة أحسست وكانني أعرفه منذ سنوات، وكان لورانس متوسط القامة، قوي البنية رغم نحافته، جبهته مرتفعة وجهه مستطيل، يصفف شعره الأشقر على طريقة ما قبل الحرب، وأنفه مستقيم. وعيناه زرقاوان ثاقبتان، وفمه ممتلئ، وذقنه مربعة.
كان لورانس يكره الأوقات والفصول المحددة، ما عدا ما اتصل منها بالعمل الرسمي. وقد رأيته كثيرا في شقتي يقرأ دائما كتبا لاتينية ويونانية، يترك مكانها فارغا على رفوف مكتبتي الخاصة، ثم يعيدها إلى مكانها تماما دون أن يأخذ أيا منها معه، وعندما كان يأخذ بعضها يترك قائمة بما أخذ، ولم يحدث أن تأخر في ردها في الوقت المناسب، ولم تكن بيننا اختلافات أدبية سوى تفضيله لهوميروس على دانتي، وعدم موافقته على تقديمي لثيوكريتوس على أرسطوفانيس. يحب الموسيقى، وكان يجلس شبه مغلق العينين مسترخيا على المقعد يستمع إليها، وقال لي خادمي إسماعيل إنه عندما كان يطرق باب شقتي كان يسال دائما عما إذا كنت موجودا وحدي، فإذا كانت الإجابة بالنفي عاد من حيث أتي، وعندما عاتبته على ذلك قال لي إنه بخشي أن يكون ثقيلا أو بخيلا إذا جاء في مثل ذلك الوقت، وأغضبني ذات مرة عندما دعوته إلى عشاء لأربعة أفراد أقمته من أجله، فلم يحضر، وقال لي بعد ذلك