الصفحة 112 من 300

إله عزيز حكيم" (الانفال: 63]، ويره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله انحدت وجهنها، فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة لذلك، فتقوت شوكة المقاتلين(40) "

والسبب في ذلك، أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أمل العصابات، وتفرد الوجهة إلى الحق. فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء، لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه، وأهل نصرة الدين التي هم طالبوها وإن كانوا أضعافهم فاغراضهم متباينة بالباطل وتخاذلهم لبقية الموت حاصل، فلا يقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم، بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذل وهذا كما وقع لمقاتلي جمهورية تتارستان الإسلامية إبان الأجنباح الروسي، فكان المقاتلين التتار بضعة وثلاثين ألفا في كل معسكر وجموع الروس مائة وثمانون ألفا، فلم يقف للتتار أحد من الروس وهزموهم وغلبوهم على ما بايديهم، كون الاجتماع الديني ضاعف قوة القبائل والجماعات التتارية المقاتلة بالاستبصار والاستمائة، فلم يقف لهم شيء. وهذا ما يطابق مقولة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة:"إذا حالت صبغة الدين وفسدت، كيف ينتقص الأمر ويصير الغالب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدين، فتغلب الدولة من كان تحت يدها من العصبيات المكافئة لها أو الزائدة القوة عليها بالدين، غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها، ولوكانوا أكثر عصبية منها وأشد بداوة (41) "

فلقد خصص الإمام الغزالي الجزء الأكبر من كتابه إحياء علوم

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(40) العلامة عبد الرحمان بن محمد بن خلدون: مقدمة ابن خلدون، ضبط ونشر وتقديم: د. محمد الإسكندراني، الطبعة الثالثة، بيروت: لدار الكتاب العربي، 422 اد-2001 م ص 156.

(41) نفس المرجع، ص 177

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت