فالرسول -صلى الله عليه وسلم- ما كان ليأمر المسلمين بالإندفاع في القتال حتى لا تكون منهم رغبة في القتال لذاته، بل إنه كان بدعوهم إلى التاني: قال أبو عامر: حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا) (80) (متفق عليه) .
وهو الهدي النبوي في القتال الذي يسعى المقاتلون الشيشان إلى تجسيده، ولقد قال عليه السلام في وصف دعوته:"أنا نبي المرحمة وأنا نبي الملحمة"، وفي الحق إن المرحمة والملحمة متلاقينان، فما كانت الملحمة إلا لأجل المرحمة، إذ الرحمة الحقيقية في إقليم الشيشان هي في قطع الفساد ومنع شر القوات الروسية بالنسبة للمقاتلين الشيشان، وإن كان سبيل ذلك الملحمة فقد تعبنت سبية للرحمة والمتمثلة في آداب معاملة الأسرى
وهو عمل مقيد بالفضيلة، فإذا تعارض مع الفضيلة أهمل وأثبعت الفضيلة، لأنها المبدأ المقرر الذي لا يقبل التخلف كيفما كانت الحال.
وقد يعجب الاستراتيجيون العسكريون من أن الفضيلة تحكم في وسط السيوف، وحيث يستباح الإنسان، فإنه حيث أستبيح لا يبقى من القيود شيء يحترم، ولكن رجال العصابات الشيشانية يؤمنون بكونها حرب مقيدة بقانون السماء، وهي حرب الفضيلة المقاومة للرذيلة المعتدية، وليس من المعقول أن يكون باعث المقاتلة الشيشانية الدفاع عن الفضيلة وتنتهك حرماتها في الميدان من أهل مجاراة المعتدين.
ولذلك كان تنيك حرب العصابات الشيشانية مقيدة بالفضيلة لا تعدوها، ولو جاوز حدودها الروس. فإذا كانت القوات الروسية منطلقة من كل القيود الخلفية فوحدات رجال العصابات مقيدة بها، فإذا كان الجنود الروس يقتلون الصبيان والعمال والشيوخ والنساء وينتهكون الأعراض، فإن رجال العصابات الإسلامية لا يجارونهم في هذه الرذائل، لأنهم مقيدون
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(80) الإمام محمد ابو زهرة العلاقات الدولية في الإسلام، ملتزم الطبع والنشر، القاهرة: دار الفكر العربي، «بدون تاريخ، ص 94