-إني خائف.
-إذن أدخل!!.
رفعت رأسي ونظرت إلى الباب، فرأيت اثنين من المجاهدين يسحبان شيخي ويأخذانه ووجهه مليء بالدم، أحسست أني أريد أن أقف لأجري نحوه، وتراجعت عن هذه الرغبة بعد سماعي لأصوات الرصاص المنهمر، وأخذت في الزحف نحو الباب، ولم أستطع الوقوف على قدمي حتى دخلت إلى الداخل جيدا، وعندما دخلت الغرفة التي بها الجرحي كان أول ها سينه بعد ذلك هو:
-هات، عليه رحمة الله قال هذا، الرجل الطويل القامة الذي كان يقف على أول المنضدة التي أرقدوا عليها الشيخ. اقتربت من المنضدة، فرأيت أن الشيخ قد أصابته رصاصة في جبهته، وغطت الدماء الحمراء الغامقة وجهة النوراني ولحيته القصيرة، وقد تجمدت في وجهه ابتسامة مليئة بالمرارة، عيناه مفتوحنان، إنسانا عينيه ثابتان وكأنه نظراقما قد شمرنا بالسقف. وهكذا فقدت أحب إنسان إلى بعد أبي. لم أكن أقوى على لمسه. كنت أريد أن أبكي وأنكفئ على جسده لاما وجهه الدامي ويده الميتة المتدلية من على المنضدة، ركبتاي ترتعشان ولم أكن في الواقع يستطيع أن أخطو خطوة نحوه، قال لي الرجل الطويل القامة:
-أبوك؟ استطعت أن أرد عليه قائلا بصوت يملؤه الأسي:
-أستاذي
وبمجرد أن قلت كلمة أستاذي بدا الأمر وكأن هذه الكلمة كانت ممسكة بانتحاباني في رقبتي، ودموعي في عيني، وأخذت أجهش في البكاء بصوت مرتفع، خرجت من باب المدرسة وذهبت باكيا إلى البيت الذي فيه أمي والنسوة الأخريات، ورأيت من وراء دموع عيني وأنا خارج من الباب أناما رأوا حالي هذا فيكوا، ورأيت نساء حزينات باكيات يقلن لي أن أسكت، وأخريات يسكن من أحزاني في شفقة.