قد لا يكون شيئا جديدا إذا ذكرنا أننا لسنا بحاجة لنؤكد من جديد أن نظرية الأمن العربي مرت ومازال تمر الآن بمراحل النهضة والبعث، والتي يساهم في تشكيلها مختلف القوى السياسية، ومن ضمنها النخب السياسية العربية ذات التأثير الكبيرة في الأساس فإن تلك المراحل قد تكونت نتيجة اختيار يتيح لهم تجنب الدخول في المواجهة بصورة طوعية أو إجبارية. شكل العرب مثالا على كبح وقمع الإمكانيات الذاتية الكامنة المتطلعة لامتلاك القوة. وهذا بحد ذاته دليل بعيد كل البعد عن التبسيط، بل يمكن وصفه بالطفرة السياسية أو التحجيم الشديد للأزمات الخطيرة.
إذا كانت مكانة المنطقة العربية كمنظومة وكعقيدة إستراتيجية قد ازدادت أهميتها خلال الحرب الباردة بتأثير عدة عوامل منها المرتبطة بأولويات القوى العظمي، فإن القطبية العالمية قدمت لهم ولنظامهم إمكانية تفادي المواقف التي توقعهم كضحية لمصالح أي دولة من الدول المتصارعة على الساحة الدولية، مما أتاح لهم خيارات واسعة وشجعهم على المضي قدما نحو الاستقلال السياسي والعسكري، كل هذا مكنهم من تعزيز موقعهم وسمحت لهم بالدفاع عن أراضيهم وعن أنفسهم (5) . لكن الأمر بدأ يتغير نحو الأسوأ بسبب تحول المنطقة العربية ونتيجة لنظام ثنائي القطبية في العالم إلى حلبة للصراع الإستراتيجي المحتدم بين الدول المتنافسة. وهنا جرت محاولات جدية عديدة لربط المنظومة العربية بالوضع الدولي، الذي كانت تسوده فكرة تكوين التحالفات واستخدام الأراضي كقواعد عسكرية، وخير مثال على ذلك، هو الاتفاقية العراقية الإنكليزية عام 1955 وما تبعها بعد ذلك من اتفاقيات إلى يومنا هذا.