الفكرية، فكيف للمفكرين المتأثرين بهذه الأحداث التي تجري في أماكن مختلفة أن يتحدثوا مع بعضهم؟ وما النماذج الجديدة من الأسئلة وما الطرائق الجديدة في طرحها المنبثقة عن الحركات السياسية الموجودة في أماكن متعددة؟ هل النماذج الماركسية القديمة نسبيا كافية؟ أم على المرء أن ينطلق من تقاليد تنويرية أخرى؟ أم ينطلق من التحولات الطارئة ومن ضمنها، على سبيل المثال، العصيان المدني أو الديمقراطية التشاركية؟ تنقل المتناظران في مواضع متعددة مستخدمين لغتين أمام جمهور التلفزيون الهولندي في هذه اللحظة الفريدة، عابرين من أسئلة اللغة والإبداع إلى أسئلة السلطة والسياسة. فأتاح هذا الحوار مساحة للنقاش عبر الجغرافيات الفكرية والسياسية. وبدا أن الخلاف على
الطبيعة الإنسانية يبلور الاختلافات في المقاربة - اللغوية والفلسفية والسياسية في الوقت نفسه - في أعمال تشومسكي وفوكو، وفي بلديهما.
بأي طريقة أعدت دراسة اللغة والخطاب كلا منهما لدوره السياسي الجديد؟ بعبارة أخرى؛ ما العلاقة بين اللغويات والسياسية أو ما دور السلطة في تحليل الخطاب؟ فبمعنى ما كانت هذه هي ذروة المناظرة، مع محاولة كل منهما ترجمة السؤال الأساسي بمصطلحاته الخاصة. فهل هي مسألة الكليات اللغوية وعلاقتها بالعدالة والملاءمة الإنسانية كما رأى تشومسكي، أم هي قضية قيود تاريخية ومادية وعلاقاتها بممارسة السلطة كما أصر فوکو؟ بعد عدة محاولات مهذبة لإيجاد أرضية مشتركة، اندلع خلاف في هذا السياق، وفي النهاية - وكما هو معتاد في هذه الحوارات - لم يصلا إلى حل. ومع انقضاء العقد يستمر الرجلان في البحث عن العلاقة بين اللغويات والسياسة، بين اللغة والسلطة، ويسهمان بشكل متزايد في تحديد دور المفكرين السياسيين.