شاءوا رافقوه، وإن شاءوا لم يرافقوه، وعادوا أدراجهم إلى المدينة المنورة غير ملومين.
ولا أعرف سرية كانت لها خطورة سرية عبد الله إلى نخلة في مثل قلة عددها وضعف مددها، في مثل ذلك الوقت المبكر من جهاد المسلمين.
ولكن عبد الله اندفع بجرأة خارقة، وحقق أهداف السرية، وذهب إلى مدى أبعد من تحقيق أهدافها المرسومة، فحقق بجرأته واندفاعه المذهل حقا أهدافا لم تكن في الحسبان.
أما الصبر العظيم في تحمل أعباء القتال، فقد تحذي عر قريش وحراسها، وقاتلهم بحرب خاطفة مصغرة، فقتل من قتل، وأسر من أسر، وعاد بالغنائم منتصرة إلى المدينة المنورة.
ولكن القول على صبره في القتال لا يغني عن كل قول، فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم: بأنه أصبر المسلمين على الجوع والعطش (1) ، وهي شهادة لها وزن عظيم في كل ميزان.
وكان يتمتع بضبط متين إلى أبعد الحدود، وهي صفة من صفات الجندي المتميز والقائد المتميز، فما كاد يقرأ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ة المكتومة، إلا وهتف من صميم قلبه: اسمعا وطاعة». ثم مضى لتنفيذ واجبه لا يلوي على شيء في تصميم وإصرار عجيبين.
وكان سريع القرار صائبه، فقد بادر المشركين بالهجوم عليهم، قبل أن يأتيهم المدد ويشتد عضدهم، فتغدى بهم قبل أن يتعشوا به - كما يقول المثل العربي المشهور -
وكان ذا إرادة قوية، يتلقى الأوامر، وينفذها بدون تردد ولا خوف، مهما تكن تلك الأوامر صعبة التنفيذ، تكتنفها الأخطار والمصاعب.
(1) المحبر (88) ، والاستيعاب (3/ 878) .