لقد كان عمر يكتب أموال عماله إذا ولأهم، ثم يقاسمهم ما زاد على ذلك، وربما أخذه منهم، فكتب إلى عمرو بن العاص: أنه قد فشث لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم يكن حين وليت مصر»، فكتب إليه عمرو: «إن أرضنا أرض مزدرع ومتجر، فنحن نصيب فضلا عما نحتاج إليه النفقتناء، فكتب إليه: إني قد خبر من عمال السوء ما كفى، وكتابك إلى کتاب من أقلقه الأخذ بالحق، وقد ؤ بك ظنا، وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك، فاطلعه طلعه وأخرج إليه ما يطالبك، وأغفه من الغلظة عليك، فإنه برح الخفاء» ، فقامه ماله
وقال عمرو: «إن زمانا عاملنا فيه ابن حنتمة (1) هذه المعاملة الزمان سوء. لقد كان العاص يلبس الخز بكفاف الديباج» ، فقال محمد بن مسلمة:
منها لولا زمان ابن حنتمة، هذا الذي تكرهه، ألفيت معتقلا عنزة بفناء بيتك، يسرك غزرها، ويسوك بكوءها»، فقال: «أنشدك الله أن تخبر عمر بقولي، فإن المجالس بالأمانات» ، فقال: «لا أذكر شيئا مما جرى بيننا، وعمر حي (2) .
لقد كان عمر إذا أحب أن يؤتي بالأمر كما يريد، بعث محمد بن مسلمة، وكان معدة لكشف الأمور المعضلة في البلاد (3)
ويمكن أن نتصور مبلغ عفة محمد بن مسلمة ونزاهته وذكائه وقوة شخصيته وثقته بنفسه والتزامه المطلق بقول الحق وإقراره، بحيث إن عمر بن الخطاب وهو من هو أمانة وحرصا على مصلحة المسلمين يعتمد عليه اعتمادا بلا حدود في قضايا الولاة ومحاسبة المنحرفين منهم محاسبة الا هوادة فيها، كما استعمله على صدقات بني جهينة (4) ، مما يدل على أنه
(1) حنتمة: هي أم عمر بن الخطاب، وهي حتمة بنت هاشم بن المغيرة المخزومي.
(2) البلاذري (307 - 308)
(3) الإصابة (6/ 64) .
(4) الإصابة (13/ 1 - 14) ، وأسد الغابة (4/ 330) ، والبداية والنهاية (8/ 27)