الشرعي، كثيرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - ومنهم محمد بن مسلمة. هزة عنيفة، واعتبروا ما حدث فتنة من الفتن لا تبقي ولا تذر، ومن واجبهم وواجب كل مسلم ألا يشارك فيها بسيفه ولا يده ولا لسانه، وألا بذخر وسعة في إخماد أوارها ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
ومن الخطا أن نعتبر اعتزال محمد بن مسلمة الفتنة لأنه كان عثمانيا (1) وأن نعتبر اعتزال أمثاله من كبار الصحابة، لأنهم كانوا عثمانيين، فما كان محمد بن مسلمة منتفعة من عثمان ولا من عهده مادية ولا معنويا، ولا كان متهمة بهذا الانتفاع من قريب أو بعيد، وما كان عثمان بالنسبة لمحمد بن مسلمة إلا رمزا للشرعية بالإضافة إلى مزاياه الأخرى التي لا يستطيع أن ينكرها عليه عدو ولا صديق؛ فإذا وقف محمد بن مسلمة إلى جانب عثمان سرا و علنا، فقد وقف إلى جانب الشرعية دفاعا عن الممثل الإسلامية وتعاليم الدين الحنيف، وخوفا من الفتنة التي تمزق صفوف المسلمين ومنعة الانتشارها المدمر، وقد حدث ما توقعه محمد بن مسلمة وتوقعه أمثاله من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ة المتسمين ببعد النظر والإيمان العميق.
ومن المؤكد أن موقف محمد بن مسلمة المسؤول تجاه عثمان موقف ثابت مسؤول لو كان الخليفة المعتدى عليه غير عثمان، فهو موقف مبدئي لا شك فيه وليس موقفا مضلحيا يتبدل بتبذل الظروف والأحوال.
وما كان امتناعه عن مبايعة علي بن أبي طالب (2) لأنه يجهل مكانه ومكانته، فلا يشك مسلم بمكان ومكانة علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، ولكن هول الصدمة في اشتعال نيران الفتنة وقتل عثمان ترك الحليم حيرانا كما ترك ابن مسلمة وغيره من المهاجرين والأنصار.
وأخذت الفتنة تستشري، فكانت وقعة الجمل) بين الإمام علي بن
(1) الطبري (930/ 9) ، وابن الأثير (191/ 3) .
(2) الطبري (4/ 430) ، وابن الأثير (3/ 191)