يتكلم معه، فإذا أذن الملك بذلك دخل الرجل وهو يجذب من كمه منديلا أبيضة نقية يغطي به فمه لمنع أنفاسه من تلويث الأشياء المقدسة، ويستخدم ذلك في هذه الحالة لوقاية جلال الملك، فإذا احتاط الداخل هذا الاحتباط اقترب ثم ألقى بنفسه على الأرض أمام الملك، ويبقى على هذه الهيئة إلى أن بامره الملك بالوقوف، فإذا دعاه الملك للكلام بدأ حديثه ببعض الجمل المناسبة التي تعبر عن دعائه للملك، وكانت الصيغة الشائعة أن يقول: اخلدك الله، أو: احقق الله رغباتك ... وهكذا.
وكان الملوك الساسانيون يلقبون: (أنتم الكائنات الأولية) أو (قدسيتكم) ، ويقال للملك: الإنسان الأول، فكان المخاطب له لا بذکر اسمه، وكان من المحرم أن يدعو الناس إذا كان الملك يصلي ويقول: آمين، لأن الملك الطيب له امتياز، وواجب أن يصلي لرعيته الطيبة، ولكن الشعب الطيب لا يصلي للملك الطيب، لأن دعاء الملك الصالح أقرب إلى الله.
ومن ناحية أخرى كانت الفوارق بين الملك والرعية ظاهرة بطرق مختلفة، فقد كانت ملوك العجم تمنع أن يشاركها الرعية في الحجامة والفصد وشرب الدواء يوم تفعل ذلك.
وأما"نظام المراسيم أو الآداب الصارم الدقيق الذي كان يسود البلاط الساساني، فلدينا معلومات ذكرها الجاحظ في كتابه: التاج، في مناسباتها، فيصف طبقات خاصته الثلاثة الأولى الأساورة وأبناء الملوك، وكان مجلس هذه الطبقة من الملك على عشرة أذرع من السيارة، ثم الطبقة الثانية وكان مجلسها من هذه الطبقة على عشرة أذرع وهم بطانة الملك وندماؤه ومحدثوه من أهل الشرف والعلم، ثم الطبقة الثالثة وكان مجلسهم على عشرة أذرع من الناحية وهم المضحكون وأهل الهزل والبطالة، ولم يكن في هذه الطبقة الثالثة خسيس الأصل ولا وضبعه ولا ناقص الجوارح، ولا فاحش الطول"