الصفحة 22 من 29

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله كما في"فتح الباري" (10/ 493) :"إذا كان المدح يؤمَن معه الكبر أو الإعجاب أو الفتور عن العمل، لم يكن به بأس (أي: المدح) ، وربما كان مُستحبًّا"؛ اهـ.

وقال ابن عيينة رحمه الله:"مَن عرف نفسه، لم يضره المدح"؛ (الإحياء: 3/ 215) ، والضابط ألاَّ يكون المدح فيه مجازفة، ويؤمَن على الممدوح الإعجاب والفتنة والتقصير.

ومن جملة ذلك الأحاديث في مناقب الصحابة رضي الله عنهم، ووصف كل واحدٍ منهم بما وُصِف به من الأوصاف الجميلة؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البيهقي في"المحاسن والمساوئ": (( ما طلعَتِ الشمسُ ولا غربَتْ على رجل بعد النبيِّين أفضل من أبي بكر الصديق ) ).

وكقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: (( والذي نفسي بيده، ما لقيكَ الشيطانُ سالكًا فَجًّا إلا سلك فَجًّا غير فجَّك ) (رواه البخاري في مناقب الأصحاب) .

وكقول النبي صلى الله عليه وسلم في حقِّ الصحابة كما يروي ذلك الترمذيُّ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (( أرحَم أُمَّتي بأُمَّتِي أبو بكر، وأشَدُّهم في دين الله عمر، وأصدقُهُم حياءً عثمان، وأعلمُهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفْرَضُهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أُبيُّ بن كعب، ولكلِّ أُمَّةٍ أمين، وأمين هذه الأُمَّة أبو عبيدة بن الجرَّاح ) ).

-قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في"الفتح" (10/ 477) :"فمَن مُدح بما فيه، فلا يدخل في النهي، فقد مُدِحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الشِّعر والخطب والمخاطبة، ولم يَحْثُ في وجه مادحه ترابًا". اهـ

-قال الإمام النووي رحمه الله في"شرح مسلم" (18/ 126) :"قد جاءت أحاديث كثيرة في"الصحيحين"بالمدح في الوجه، قال العلماء: وطريق الجَمْع بينها: أنَّ النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف، أو على مَن يُخاف عليه فتنة مِن إعجاب ونحوه إذا سَمع المدح، وأما من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقلِه ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة؛ بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشاطِه للخير والازدياد منه، أو الدوام عليه، والاقتداء به، كان مستحبًّا ... ، والله أعلم". اهـ

والحق ما قاله الإمام النووي رحمه الله؛ فلقد مَدح النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه بصدق وبحق، فهو يعلم ما هم عليه، ويُوحى إليه في شأنهم، وأمَّا هم فقد كانوا أجلَّ وأعظم وأكبر من أن يصيبَهم المديحُ بالكبر أو العُجْب أو الغرور، أو يَتَّكِلُوا على ذلك فيصيبهم الفتور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت