الصفحة 24 من 29

وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"جلس إحدى عشرة امرأةً، فتعاهدْن وتعاقدن أن لا يكتُمن من أخبار أزواجهنَّ شيئًا؛ قالت الأُولى: زوجي لحمُ جملٍ غَثٍّ [1] ، على رأس جبلٍ وعرٍ، لا سهل [2] فيُرتقى [3] ، ولا سمينٌ [4] فيُنتقلَ [5] ، قالت الثَّانيةُ: زوجي لا أبُثُّ خبره [6] ، إنِّي أخافُ ألاَّ أذره [7] ، إن أذكُره أذكُر عُجَره [8] وبُجَرَه [9] ، قالت الثَّالثةُ: زوجي العَشَنَّقُ [10] ، إن أنطق أُطلَّق، وإن أسكُت أُعلَّق [11] ."

(1) الغث: الهزيل النحيف الضعيف.

(2) أي: الجبل ليس بسهل، والمعنى: أنَّ صعوده شاق لوعورته.

(3) يُرتقى؛ أي: يُصعد عليه، (من صفة الجبل) .

(4) المراد: اللحم.

(5) يُنتقل؛ أي: يتحول، (من صفة اللحم) .

-والمعنى: أن المرأة وصفت زوجها بقلَّة الخير وبعده، وشبَّهته باللحم الغثِّ الذي لا نقى فيه، أو هو الذي لا ينقله الناس إلى بيوتهم لزهدهم فيه، ومع ذلك هو على رأس جبلٍ صعب لا يوصل إليه إلاَّ بالتعب.

وذكر الخطابي رحمه الله: أنَّها أشارت ببعد خيره إلى سوء خلقه، وترفُّعه بنفسه تيهًا، وأرادت أنَّه مع قلة خيره يتكبر على عشيرته وأهله.

-والمعنى الإجمالي لقولها - والله أعلم: أنَّها شبَّهَت زوجها بلحم الجمل الضعيف الهزيل، وهذا اللَّحم رغم أنه لحم جمل ضعيف هزيل فهو موضوع على قمَّة جبل وعر يصعب الصعود إليه، فالجبل ليس بسهل للارتقاء، واللَّحم ليس بسمين يستحقُّ مكابدة المشاق.

-وتنزيل هذا على الزوج كالتالي: أنها تذمُّ زوجها، فتقول: إنَّ لحمه كلحم الإبل ليس كلحم الضأن الطيب، والمعنى: أنها لا تستمتع بزوجها ذلك الاستمتاع المطلوب؛ فهو رجل ضعيف، لحمه غير جيد، وكأنها تصف مضاجعته لها؛ تعني: أنني إذا استمتعتُ منه بشيء فكأني آكل لحم الجمل الهزيل، وهو مع هذه الحالة من الهزال والضعف خلقُه سيِّئ، فلا أحد يعرف كيف يتكلم معه ولا كيف يتخاطب معه، ولا يصل إليه لسوء خلقه، وحتى إذا وصلت إليه بعد مكابدة المشاق، فماذا عساي أن أحصل منه؟ إنني بعد هذا الجهد للوصول إليه لا أجد شيئًا يستحقُّ أن آخذه وأنتقل به وأستمتع به، والله أعلم.

(6) أبث: معناها أنشر، لا أبث خبره: لا أظهره ولا أشيعه.

(7) أذره: أتركه؛ والمعنى أترك خبره، وقال العلماء: إن (لا) زائدة.

(8) العُجَر: انتفاخ العروق في الرقبة.

(9) البجَر: انتفاخ العروق في السرَّة.

-"عُجَره وبجره": العُجَر هي العروق والأعصاب التي تنتفخ وتظهر في الوجه والجسد عند الغضب أو عند الكبر، والبُجَر مثلها، إلاَّ أنها مختصة بالبطن، والمعنى: هناك عيوب ظاهرة وباطنة.

ويروى أن عليًّا رضي الله عنه لمَّا رأى طلحة صريعًا قال: إلى الله أشكو عُجَري وبجري؛ يريد همومي وأحزاني.

والمعنى الإجمالي - والله أعلم: أنَّ المرأة تشير إلى أن زوجها ملِيء بالعيوب، فهي تقول: إنني إذا تكلَّمتُ فيه ونشرتُ أخبارَه، أخاف أن أستمرَّ في الحديث ولا أنتهي؛ لكثرة ما فيه من شرور وانفعالات، وماذا أتذكَّر من زوجي إن تذكَّرت منه شيئًا، فالذي أتذكَّره هو العُقَد الموجودة في وجهه، وانتفاخ أوداجه والنتوء الظاهرة في عروق البطن والجسد، هذا الذي أذكره منه.

ومن العلماء من قال: إن معنى قولها:"إني أخاف ألا أذره"؛ أي: أخاف ألا أتحمَّل مفارقته؛ فإنَّه إذا بلغه أنني تكلَّمت فيه طلَّقني، فأخشى من مفارقته؛ لوجود أولادي وعلاقتي به، والأول أولى، والله أعلم.

(10) العشنَّق: الطويل، أو طويل العنق، تريد أن له طولًا بلا نفع، ومنظرًا بلا مَخْبر.

وقيل: هو الطويل المذموم الطول، وقيل: هو السيِّئ الخلُق، وقيل: هو النجيب الذي يملك أمرَ نفسه ولا تتحكم فيه النساء، وقيل: عكس ذلك: أنَّه الأهوج الذي لا يستقرُّ على حال.

(11) أما قولها:"إن أنطِق أطلَّق، وإن أسكت أعلَّق"، فمعناه والله أعلم: إذا تكلمتُ عنده وراجعتُه في أمر طلَّقني، وإن سكتُّ على حالي لم يلتفت إليَّ وتركني كالمعلَّقة التي لا زوج لها ولا هي أيِّم، فلا زوج عندها يُنتفع به، ولا هي أيِّم تبحث عن زوج لها، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت