الصفحة 4 من 29

"كان قومٌ يسألون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً، فيقول الرجل: مَن أبي؟ ويقول الرجل تضلُّ ناقتُه: أين ناقتي؟ فأنزَل الله فيهم هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ... } حتى فرغ من الآيةِ كلها".

-وأخرج البخاري أيضًا عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرجَ حين زاغَت الشمسُ فصلَّى الظهر، فلمَّا سلَّم قام إلى المنبر، فذكر الساعةَ، وذكر أنَّ بين يديها أمورًا عظامًا، ثمَّ قال: (( مَن أحبَّ أن يَسأل عن شيء، فليسأل عنه، فواللهِ لا تسألوني عن شيءٍ إلا أخبرتكم به ما دمتُ في مقامي هذا [1] ، قال أنس رضي الله عنه: فأكثر الأنصارُ البكاء، وأكثر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يقول:(( سلوني ) )، فقال أنس: فقام إليه رجلٌ فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: (( النَّار ) )، فقام عبدالله بن حذافة، فقال: مَن أبي يا رسول الله؟ قال: (( أبوك حذافة ) )، قال: ثمَّ أكثر أن يقول: (( سلوني ) )، فبَرَكَ عمر على ركبتَيه، فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولًا، قال: فسكتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسِي بيده، لقد عُرِضتْ عليَّ الجَنَّة والنَّار آنفًا في عُرْض هذا الحائط وأنا أُصلِّي، فلم أرَ كاليوم في الخَير والشرِّ ) ).

-وأخرج الترمذي عن عليٍّ رضي الله عنه قال:"لما نزلت هذه الآية: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] ، قالوا: يا رسول الله، أفي كلِّ عام؟ فسكتَ، فقالوا: أفي كلِّ عامٍ؟ فسكتَ، قال: ثمَّ قالوا: أفي كلِّ عام؟ فقال: (( لا، ولو قلتُ: نعم، لوجبَت، ولو وجبَت لما استطعتُم ) )، فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ... } الآية".

-قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في"فتح الباري" (8/ 282) :"والحاصل أنَّها نزلَت بسبب كثرةِ المسائل، إمَّا على سبيل الاستهزاء أو الامتحان، وإمَّا على سبيل التَّعَنُّت عن الشيء، الذي لو لم يُسأل عنه لكان على الإباحة".اهـ

-وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في"إعلام الموقعين" (1/ 109) :"لم ينقطع حكمُ هذه الآية؛ بل لا ينبغي للعبد أن يتعرَّض للسؤال عمَّا إن بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنَه، ويأخذ بعَفْو"

(1) قال الشاطبي رحمه الله:"وظاهر هذا المساق يقتضي أنَّه إنما قال: (( سلوني ) )في معرض الغضب؛ تنكيلًا بهم في السؤال؛ حتى يروا عاقبة ذلك، ولأجل ذلك ورد في الآية قوله عز وجلَّ: {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ".اهـ (من"الموافقات": 4/ 316) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت