الله، ومن هاهنا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا"لمَّا سأله رفيقُه عن مائه: أطاهرٌ أم لا؟ [1] وكذلك لا ينبغي للعبد أن يَسأل ربَّه أن يُبْدِي له من أحواله وعاقبته ما طَواه عنه وستره، فلعلَّه يسوءه إن أُبْدِي له، فالسؤال عن جميع ذلك تَعرُّضٌ لما يَكرهه الله؛ فإنَّه سبحانه يكره إبداءها، ولذلك سكتَ عنها". اهـ"
-قال القاسمي رحمه الله مُعقِّبًا على عبارة ابن القيم رحمه الله:"وما ذكره من التعميم هو باعتبار ظاهرها، وأما المقصود أولًا وبالذات - كما يفيده تتمَّتها - فهو النَّهي عن السؤال بما يسوء إبداؤه في زمن الوحي."
ويدلُّ له ما رواه البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إنَّ أعظم المسلمين جُرمًا، مَن سأل عن شيء لم يُحرَّم فَحُرِّم مِن أجل مسألته ) )؛ فإنَّ مثل ذلك قد أُمِنَ وقوعه". اهـ؛ (محاسن التأويل: 6/ 2171) ."
-وقد أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لهم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبلِ الله تعالى [2] جميعًا، ويكره لكم قِيل وقال [3] ، وكثرة السؤال [4] ، وإضاعة المال ) ).
-وأخرج الإمام مسلم رحمه الله أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ذَروني ما تركتُكم؛ فإنَّما هلك مَن كان قبلكم بكثرةِ سؤالهم [5] ، واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا أمرتُكم بشيء فأْتُوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فدعوه ) ).
(1) قال الشيخ محمد إسماعيل المقدم - حفظه الله:"لم أقِف على تخريجه، وفي"الموطأ" (1/ 23) :"أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج في ركبٍ فيهم عمرو بن العاص رضي الله عنه حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص رضي الله عنه لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضَك السباع؟ فقال عمر رضي الله عنه: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا؛ فإنَّا نرد على السباع، وترِد علينا"؛ (رواه الدارقطني(1/ 32) ، وابن أبي شيبة في"المصنف": 1/ 142)، وقال النووي رحمه الله في"المجموع":"هذا الأثر إِسناده صحيح إلى يحيى بن عبدالرحمن، لكنَّه مرسل منقطع ... ، إلاَّ أنَّ له شواهد تقويه"؛ (1/ 173 - 174) ."
(2) الاعتصام بحبل الله؛ أي: التمسُّك بعهده، واتِّباع كتابه، والتَّأدُّب بآدابه.
(3) قيل وقال: هو الخوض في أخبار الناس.
(4) كثرة السؤال: المراد به التَّنطُّع في المسائل، والإكثار من السؤال عمَّا لا يقع ولا تدعو إليه الحاجة.
(5) كما فعلوا مع موسى عليه السلام حين قال لهم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ... } الآيات [البقرة: 67] ، فلمَّا زادوا نبيَّهم عليه السلام أذًى وتعنُّتًا، زادهم الله عقوبةً وتشديدًا، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لو أخذوا أدنى بقرة، اكتفوا بها، لكنهم شدَّدوا فشدَّد الله عليهم"؛ (رواه ابن جرير في"التفسير": 2/ 204، رقم: 1235) .