يجري العمل في التجارة الإلكترونية على صياغة عقود نموذجية معدة سلفًا، يقتصر القبول فيها على مجرد التسليم بشروط مقررة، يضعها الموجب، ولا يقبل مناقشة فيها، على غرار العقود التي تعدُّها كبرى الشركات والمؤسسات كعقود المرافق العامة (المياه - الغاز - الكهرباء) ، وعقود التأمين، وعقود النقل البري والبحري والجوي ونحو ذلك، وقد أُطلِقَ على هذا النوع من العقود تسميةُ (عقود الإذعان) ، وتدخلت التشريعاتُ المختلفة وجمعيات حماية المستهلكين للحدِّ من الآثار المحتملة للشروط التعسفيَّةِ التي تَفْرِضُها شركات الاحتكار.
وفي مجال التجارة الإلكترونية وُجدَتْ شركاتُ احتكارٍ فعليَّة على شبكة الإنترنت، تقوم بتسويق بضائعها، وتحدِّدُ أسعارَها، وتضع شروطَها، ولا تجد من ينافسها، وما على الطرف الآخر إلا أن يَقْبَلَ هذه الشروط ويُذعِنَ لها، مثال ذلك: شركة (مايكروسوفت) التي تَحتكِرُ غالبية البرامج عبر كافة أنحاء العالم، وكذلك الشركات العالمية التي تَندمِجُ معًا وتشكل (كارتل) عالميًّا لا يجرؤ غيره على منافسته.
وإذا استعرضنا موقف الفقه الإسلامي - في مختلف مذاهبه - إزاءَ عمليات الاحتكار التي كانت سائدةً في المجتمع الإسلامي، لوجدنا أن الفقهاء لم يقصروا في وضع الأسس العامة التي تمنع الاحتكار، وتضرب على أيدي المستغلِّين، وترفع الضررَ عن الناس الذين يضطرون إلى ما نسميه اليوم بعقود الإذعان؛ حتى لا يَحتكِرَ شخصٌ - طبيعي أو معنوي - سلعةً ضرورية، فيرفع سعرَها، ويبيعها للناس كما يريد، فيذعن طالب السلعة لإرادته، ويَرضَخ لشروطه، وذلك لحاجته الماسَّة إلى هذه السلعة.
وقد رأى كثير من الباحثين المعاصرين - حماية لمتلقي السلع أو الخدمات عن طريق الإنترنت - ضرورةَ اتِّخاذ خطوات كافية لإعلام المتلقِّي بصورة واضحة بما تتضمنه العقودُ النموذجية من شروط ملزمة؛ حتى يكونَ قبولُه لها مجرَّدًا من وسائل الخداع والتمويه.