يسعى هذا البحث إلى محاولة إيضاح معالم التقويضية، والتي يبدو، من خلال الإنتاجات النقدية التي راكمت هذه الفلسفة، أنها تحتاج إلى مزيد من الجهد من أجل الإمساك بالما قبل والما بعد المرتبطين بها، وذلك قصد إزاحة الضبابية عن هذا التصور التقويضي.
يمكن أن نؤكد، ودون أي تردّد، إن القرن الماضي، القرن العشرين، في التاريخ الأوروبي طبعًا، كان من أعظم القرون التي شهدت أعمق البراديغمات على جميع النواحي، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفكرية ... ، ومن هذه الناحية الأخيرة بالضبط، ستتغير نظرة الأوروبي إلى الأشياء ولن تصبح، كما كانت، نظرةً ترجو التناسق في الموضوعات، وإدراك العالم والوجود على أنهما بنية مُتماسكة، وفي ظل هذا التحول العميق ستظهر مجموعة من التصورات والأفكار التي تسلُك نفس المنحى، منحىً يثورُ، بمعنى ما، على المنحى السّائد، ومن هذه التصورات: الفلسفة التقويضية التي تلامَحت بشكل مكّنها من نقد كل ما كان قبلها من فكر يرتكن إلى العقل والبنية والنسق والفهم الخالص .. ، وهي الفلسفة التي سنحاول، فيما يأتي، تحديد"مفاهيمها" [1] التي تشكل خطوات لابد منها لاستيعاب تصوراتها، وأسسها التي تُبيّن، على نحو من الأنحاء، المُتَّكآت التي استندت عليها هذه الفلسفة في تشكلها ونهوضها، ولكن قبل ذلك، لا يمكننا أن نبدأ في إيضاح معالمِ التقويضية إن لم نوضح، أولًا، السياق العام التي ظهرت فيه هذه الفلسفة، والذي يتجلى في الإشارة إلى أهم المميزات التي تتسم بها كل من مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة، فذلك من شأنه أن يجعلنا قادرين، بشكل كبير، على وضع الفلسفة التقويضية في إبستيمها الخاصّ، وينبِّئَنا بأن الفلسفة التقويضية ليست ضلعا أعوج خرج عن هذه الفترة التاريخية في الفكر الأوروبي، بل على العكس من ذلك، يندرج ضمن هذه الفترة مجموعة من المظاهر الفلسفية والمعرفية التي نحتْ نفس الاتجاه في فهمها للعالم والأشياء. هذا من الجهة؛ أما من جهة ثانية، سنقوم بالكشف عن الإرهاصات الأولية التي أنذرت بظهور هذا المنحى التقويضي في الفلسفة الأوروبية الحديثة، وهذا الأمر، وإن كان يندرج ضمن السياق التاريخي لهذه الفلسفة؛ إلا أنه يحاول، على نحو أشد خصوصية، أن يبين لنا المواطن المنتمية إلى المرحلة الثانية والتي كانت متخفّية، على نحو ما، في المرحلة
(1) - نضع، هنا، مفردة مفاهيم بين قوسين، إشارة إلى أن دريدا ينفي، كل النفي، قابلية أن نسمي ما يصدُرُ عنه مفاهيمَ، إلا أننا، وعلى الرغم من ذلك، نوظف كلمات مثل"مفاهيم"،"نقد"،"نسق"،"أنظمة"... وما إلى ذلك، إيمانا منا بأن خصائص هذه التصورات الصادرة عن دريدا يمكن تسميتها بهذه الكلمات نظرًا لأن فلسفته تستوعب هذه الصفات، ثم إنه بمقدورنا دراسة النصوص، نقديا، ومنطلقين من التصور التقويضي، دون حاجتنا إلى نفي هذه الصفات، التي رفضها دريدا، عن التقويضية.