ثانيًا: الإيمان، فالإيمان خير معين، الإيمان بلسم الحياة، وأسّ الفضائل ولجام الرذائل، وقوام الضمائر، وسند العزم في الشدائد، وبلسم العبر عند المصائب، وعماد الرضا والقناعة بالحظوط، ونور الأمل في الصدور وسكن النفوس، وعزاء القلوب إذا أوحشتها الخطوب، والعروة الوثقى عند حلول الموت بسكراته العظمي [1] .
ولله در معاذ بن جبل وحاله لما أصابه الطاعون، يقول الحارث بن عميرة: طعن معاذ وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة وأبو مالك الأشعري في يوم واحد، فقال معاذ: إنه رحمة ربكم -عز وجل- ودعوة نبيكم صلى الله عليه وسلم وقبض الصالحين قبلكم، ثم دعا فقال:"اللهم آت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة"، فما أمسى حتى طعن ابنه عبد الرحمن بِكرُه الذي كان يكنّى به وأحبّ الخلق إليه، فرجع من المسجد فوجده مكروبًا، فقال: يا عبد الرحمنّ كيف أنت؟ فاستجاب له فقال: يا أبت! {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60] فقال معاذ: وأنا إن شاء الله ستجدني من الصابرين، فأمسكه ليلة ثم دفنه من الغد، فطعن معاذ، فاشتد به نزع الموت، وقد نزع نزعًا لم ينزعه أحد، وكان كلما أفاق من غمرة فتح عينه ثم قال: رب اخنقني خنقتك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك [2] !
هات ما عندك هات *** معي الإيمان يهديني لبحر الظلمات
بلسم الإيمان ينجي *** مركبي والموج عاتي
هل ترى الإعصار يومًا *** هزَّ شُمًّا راسيات؟!
فالإيمان - بعد عون الله وتوفيقه - أعظم الأسباب المعينة على الصبر.
ثالثًا: أن يتصبر العبد -يعني يأخذ نفسه بتعلّم الصبر درجة درجة، فيتعوّده ويكون ديدنه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ومن يصبر يصبره الله" [3] ، أي: يقويه ويمكّنه من نفسه حتى تنقاد له، ويذعن لتحمل الشدة، فعند ذلك يكون الله معه فيظفره بمطلوبه [4] .
(1) من خطبة لفضيلة لشيخ علي القرني، بعنوان: سفينة النجاة.
(2) حلية الأولياء (1/ 127) .
(3) متفق عليه، رواه البخاري (1469) ، ومسلم (1053) .
(4) فتح الباري (11/ 304) .