الصفحة 22 من 29

إنّ الصبر بالتصبر، وكذلك بقيّة الأخلاق والعلوم والعادات، فالحلم بالتحلّم، والعلم بالتعلّم، والطبع بالتطبّع [1] .

فإذا عوّد العبد نفسه الصبرَ تعوّدت، وأخذت به، وتدرّجت في درجاته حتى إنها لتضرب فيه نماذج تشبه المستحيل.

رابعًا: أن يعرف فضل الصبر ودرجة الصابرين؛ فمن عرف فضل الصبر حمَل نفسه عليه حملًا، وينسيه ذلك مرارةَ المصاب والبليّة، كما ورد أن بعض السلف أصيبت أصبعه، فتبسم، فعجب من رآه، وقال: تبتسم وقد انقطع أصبعك؟! فقال: نعم؛ حلاوة أجرها أنستني مرارة ألمها [2] .

فإذا تذكر العبد أمثال قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] ، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] ، وقول رسول الله قال:"إذا أراد الله بعبد خيرًا عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد شرًا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافيه يوم القيامة" [3] .

فعلم أن المصيبة مكفّرة ورافعة للدرجات وماحية للسيئات، وعلم أنه على درجة عظيمة في القرب من الله تعالى ومشابهة أنبيائه ورسله، وعلى درج الصالحين يسير.

مات عبد الله بن مطرّف، فخرج مطرّف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن، فغضبوا وقالوا: يموت عبد الله ثم تخرج في ثياب مثل هذه مدهنًا؟!!، قال:"فأستكين لها وقد وعدني ربي تبارك عليها ثلاث خصال كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا كلها؟!"

قال الله عزَّ وجلَّ {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 156،157] .. فأستكين لها بعد هذا؟" [4] ."

(1) هذه أخلاقنا (ص 80) ، محمود محمد الخزندار، دار طيبة للنشر والتوزيع.

(2) مدارج السالكين (2/ 167) .

(3) أخرجه الترمذي (2/ 64) ، والبيهقي في الأسماء (ص 154) ، وهو في الصحيحة (3/ 220) .

(4) صفة الصفوة (2/ 132)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت