الصفحة 23 من 29

إنّ عُمْر الدنيا قصيرٌ وكنزها حقيرٌ، والآخرةُ خيرٌ وأبقى فمن أُصيب هنا كُوفِئ هناك، ومن تعب هنا ارتاح هناك، أما المتعلقون بالدُّنيا العاشقون لها الراكنون إليها، فأشدَّ ما على قلوبهم فوت حظوظُهم منها وتنغيصُ راحتهم فيها لأنهم يريدونها وحدها فلذلك تعظُم عليهمُ المصائبُ وتكبرُ عندهمُ النكباتُ؛ لأنهمْ ينظرون تحت أقدامِهم فلا يرون إلاَّ الدُّنيا الفانية الزهيدة الرخيصة [1] .

إنّ المصيبة زائلة ولو بعد حين، وسيذهب ضيقها ويبقى أجرها، فليهنأ المسلم ويسعد، ولا يحزن نفسه ويذهبها حسرات، وهذه رسالة إلى كل مُبتلى، وكل الناس مُبتلى ومُصاب: هوِّن على نفسك، فمهما كانت شدة البلاء سيأتي الفرج من الله لا محالة، كان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء، قال"سحابة صيف ثم تنقشع" [2] .

اصبِر قليلًا وكُن بالله معتصِمًا ... لا تَعْجلنّ فإنّ العجزَ بالعَجَل

والصبرُ مثلُ اسمه مُرٌّ مَذَاقُهُ ... لكنْ عواقبه أحلى من العَسَلِ

خامسًا: التعرف إلى ضد الصبر، فالضد يظهره حسنه الضد وبضدها تبين الأشياء، إلى أين يسير الجزع بالعبد؟ حين تأتيه المصيبة فيتلقاها بالسخط، لنقف على مثل قول النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» [3] .

إنّه مثال لأقوال وأفعال قوبلت بها المصيبة، فماذا كانت العاقبة؟! الطرد من بستان الأخيار (ليس منّا) ، هو من الجاهليّة، ليس من الإسلام ولا من أخلاقه!

لنتعرف على مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «اثْنَتَانِ فِى النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ الطَّعْنُ فِى النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» [4] .

إنّ السخط على أقدار الله والجزع حيالها لا يغيّر من واقعها شيئًا، إنه يزيد من هَوْلِهَا، بل ويضيف إليها مصيبة أخرى، هي أعظم، لأنها تكون وقتئذٍ مصيبة في الدّين والإيمان.

(1) لا تحزن (ص 53) القرني.

(2) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (2/ 19) .

(3) أخرجه البخاري (1297) ومسلم (103) .

(4) أخرجه مسلم (67) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت