سادسًا: المعرفة بطبيعة الحياة الدنيا:
الابتلاء لا محيص منه، فالدنيا دار امتحان، وإنّ المسلم ليبتلى ما دام حيًّا، فعليه أن يقابل امتحان الله له برباطة جأش وصبر نفس حتى يكون مطيّة له إلى الفوز برضا الله وسفينة للعبور إلى دار النجاح والنجاة.
إنه لا يسلم من الابتلاءات والصراعات إلى أن يموت؛ صراع مع الواقع، صراع مع النّفس، صراع مع الآخرين، صراع مع جميع من في الحياة، إنّ المؤمن لا ينفكّ عن المطالبة بالطاعة وهو يحتاج معها إلى صبر، ولا تتركه نفسه الأمارة بالسوء يعاونها هواه وشيطانه إلى ذلك بل يجذبه جميع هؤلاء إلى حفرة المعصية وهو في ذلك يحتاج إلى الصبر، ولا تخلو الدنيا من منغصات العيش وأولياء السوء وأصحاب الشرور ينازعونه ولا يتركونه، فلكلّ هذا ينبغي على المرء أن يعدّ عدّة الصبر، وأن يكون على تهيؤ لها أنّها لا تنتهي ولا تنقضي ما دامت الدنيا، فليست الدنيا المدينة الفاضلة ولا دار الخلوّ من المضايقات.
إنّ المصائب والابتلاءات سُنَّة الله في خلقه، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 44] .
سابعًا: الاقتداء بأهل الصبر والعزائم:
فليتعرّف المرء على سير الصالحين من قلبنا وليقرأ في حياتهم، ويطالع أخبارهم، فإنه لا شك واجد من سيرهم زادًا طيبًا للائتساء بأحوالهم في التصبّر على الطاعة وقد مرّ قال شريح رحمه الله: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات؛ أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي عليه، وأحمده إذ رزقني الصبر عليه،. وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجوه فيها من الثواب، وأحمده إذ لم تكن في ديني.
وما أجمل قول ابن القيم"يا مخنث العزم، أين أنت والطريق؟! .. طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمِيَ في النار الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيعَ يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشِرَ بالمنشار زكريا، وذُبِحَ السيد الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داوود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد ... وتزهى أنت باللهو واللعب؟!" [1] .
(1) الفوائد (1/ 42) .