بل من تأمّل في خلق الصبر وجد القدوة فيه أعز وأشرف من ذلك، فإن الصبور اسم من أسمائه تعالى ومعناه أنّ الله لا يتعجل في العقاب عندما يسرع الناس بالمخالفة، فعلى المؤمن أن يتحلى بالصبر من هذا الباب، باب التخلّق بأخلاق الله [1] .
ثامنًا: التفكّر في النّعم الكثيرة التي يتمتع العبد بها حال السرّاء:
أخي المبتلى! لقد أنعم الله عليك كثيرًا، فإن كنت عند حسن ظنه في نعمائه، فكن عند حسن ظنه بك في بلائه، وإن سلبت منك واحدة، فلا تزال نعم الله تحوطك، لما ابتلى الله أيوب، عليه السلام، بذهاب الأهل والمال والولد، ولم يبق له شيء، أحسن الذكر، ثم قال: أحمدك رب الأرباب، الذي أحسنت إلي، أعطيتني المال والولد، فلم يبق من قلبي شعبة، إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني، وفرَّغت قلبي، ليس يحول بيني وبينك شيء، لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت، حسدني. قال: فلقي إبليس من ذلك منكرًا [2] .
وقال أيوب -عليه السلام-: يا رب! إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك، وأنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها وأقول لنفسي: يا نفس، إنك لم تخلقي لوطء الفرش، ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك [3] .
هذه بعض الأسباب المعينة على الصبر ويبقى توفيق وهداية المولى -سبحانه وتعالى- الذي لا يكون شيء إلا بإذنه.
(1) انظر في هذا المعنى كتاب خلق المسلم (ص 131) ، محمد الغزالي.
(2) انظر الدر المنثور (4/ 589) .
(3) تفسير ابن كثير (5/ 360) .