التوبة إلى الله والتحلل من الذنوب والآثام التي يرتكبها الإنسان أمر واجب ودعوة قرآنية دائمة وتعددت الآيات التي تدعو وتحض على التوبة والتكفير عن الذنوب، وقد حددت الآيات طرق التكفير والتوبة من بعض الذنوب بطريقة تصب في مصلحة الإنسان المسلم ممن يقع تحت وطأة الفقر والمعاناة فقال تعالى {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة المجادلة الآيتين:2:3)
ففي هذه الأية فإن التكفير عن الظهار يستلزم اتباع واحد من ثلاث طرق إثنين منهما لصالح فئات إنسانية وإجتماعية تعاني معاناة كبيرة وهم المستعبدين من المؤمنين الذين كانوا لا يملكون حريتهم، وكذلك المساكين الذين لا يجدون قوت يومهم وقد تودي بهم الفاقة وافتقاد الطعام وعدم القدرة على تحصله إلى الهلاك، ومن عظمة القرآن في هذا الجانب، أنه رفع هذه المعاناة بأكثر من أداة ووسيلة وطريقة كلها تؤدي إلى رضوان الله ورضاه ومنها العطاء والعمل الخيري فقال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} (سورة طه:82) ، ومن عظمة القرآن أنه هنا مسألة الكفارات أنه أول من شرع أنواع جديدة من العقوبات البديلة، والتي انتشرت في المجتمعات المعاصرة كفكرة غير تقليدية يتحقق من ورائها الكثير من الأهداف الإجتماعية والإنسانية ناهيك عن أهدافها في العلاج والتقويم.
والعقوبة البديلة هي حالة قانونية يخضع فيها الفرد المخطيء لعقوبات تكفيرية من شأنها القصاص للمجتمع بطريقة أقل شدة من العقوبات التقليدية السالبة أو المقيدة للحرية ولكنها بمكان يجعل الفرد المذنب أو المخطيء الذي توقع عليه مثل هذه العقوبة أن لا يعود إلى الخطأ أو الجريمة مرة أخري، وهي غالبًا تنفذ في أنواع من الجرائم والمخالفات التي لا تشكل الخطر الكبير علي المجتمعات، والعقوبة البديلة في هذا الموضع هي الكفارة التي لا يراد من وراءها تقويم المذنبين وحسب بل يراد أيضًا من ورائها التقرب إلي الله، فتسمو الكفارات بذلك وترتقي لتكون علاقة تعبدية خالصة بين العبد وربه يرجو بها العبد غفران الله ورحمته الواسعة التي يستوعب من خلالها الرب الرحيم عباده التائبين والمكفرين عن ذنوبهم ويفتح لهم بذلك أبواب التطهر والتحرر من دنس الأخطاء والنقائص التي يقعون فيها سواء بالخطأ أو بالعمد، وهي من الأمور التي لا يتطلع إليها أو يدركها إلا المؤمنين الصادقين مع الله ومع أنفسهم، ولذلك تحقق نتائج إيجابية على كافة المستويات الفردية والتنظيمية والمجتمعية عمومًا.