لقد حظى العمل الخيري والإنساني في آيات القرآن الكريم بعناية كبيرة جدًا وإهتمامًا عريضًا في محكم التنزيل، حيث اقترنت الدعوة الربانية القرآنية للعمل بشرائع الإسلام، وتأدية عباداته، والقيام على أحكامه وطقوسه بضرورة فعل الخيرات وتقديم كافة مظاهر العون وأنواع الزكاة و الصدقات والهبات والعطايا وإغاثة الإنسان ودعم المحتاج وغيرها من صور العمل الخيري رحمة بالفقراء والمحتاجين، ومن عظمة الآيات الكريمات أنها لم تفصل أو تحول بين العبادة بكافة شعائرها المادية والروحية بما فيها الركوع والسجود وبين وجوب فعل الخير والحض عليه، وما يترتب عنه من نفع للعباد والبلاد، والسعي في الصالح العام والخاص [1] كجزء من شعائر الإسلام التي يطالب بها المسلم (على وجهي الوجوب والإستحباب) والتي لا شك تفضي إلى فلاح الإنسان، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (سورة الحج آية رقم: 77) ، بل كركن أساسي من أركان الإسلام متمثلًا في فريضة الزكاة لقول الله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (البقرة:43) وغيرها من الأقوال والأدلة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ أن واحدة من مظاهر عظمة القرآن هو دعوته وتحريضه للمؤمنين إلى المسارعة والتسابق نحو كل أعمال الخير التطوعية الإضافية بقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} (المائدة: 48) ، وأن يقوم فريق من الناس بالدعوة إلى الخير لقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} (آل عمران: 104) ، وذلك لأهمية العمل الخيري في تحقق التقوى من العباد لله ربهم بصدقاتهم وفيوض خيراتهم وكافة أنواع عطاياهم بالشكل الذي يساهم في تحقيق أمن المجتمعات فقال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} (الحج:37) ، ناهيك عن أهميته أيضًا في تحقيق الإشباع اللازم للحاجات الأساسية بل والحاجات الفرعية التي تساعد في حفظ الإنسان بإعتباره خليفة الله في أرضه ضعيفًا كان أم قويًا، وفقيرًا ثم غنيًا وفق تدرج عادل يضمن تحقيق الهدف القرآني الأسمى، بل ويتعداه لغيره من المخلوقات كالطير والدواب، ولذلك فقد تعددت الآيات في كل مواطن وسور القرآن بما يؤكد على أهمية العمل الخيري، واعتباره غاية كبرى من الغايات الأساسية التي تتحقق بها مقاصد الإسلام عقيدة وشريعة وسلوك.
ومن ثم فليس من المستغرب أن يزخر التاريخ الإسلامي بصور العطايا والمنح والصدقات التي كانت ولازالت تعتبر واحدة من أسباب النهوض، والإرتقاء بالمسلمين على مر التاريخ"دولة"بكافة مؤسساتها ومقوماتها و"شعبًا"بكل طوائفه وفئاته، ومثال ذلك ما قدمه المسلمون الأوائل من منح وهبات وصدقات وعطايا عملاقة في سبيل الله بمجرد
(1) - عبدالقادر شيبة الحمد- تفسير آيات الأحكام - مكتبة العبيكان - سنة النشر 1930 هـ- ص 201