الصفحة 11 من 11

كعبد الله بن سَلام والنَجاشي {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} من القرآن، لمُوافقته لِمَا عندهم، {وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} يعني: ومِن المُتَحَزِّبين - أي المجتمعين -على الكفر ضِدَّكَ يُنكِرون بعض المُنَزَّل عليك، {قُلْ} لهم أيها الرسول: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ} ، وهذا كقوله تعالى في سورة آل عمران: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، فإذا كنتم تُنكِرونَ بعض القرآن، فخُذوا منه ما لا تستطيعونَ إنكاره (وهو عدم الشرك باللهِ تعالى) ، فقد كان النصارى يَتبرؤون من الشِرك، وفي نفس الوقت يَعبدون عيسى عليه السلام.

?وهذا مِن بلاغة القرآن الكريم:) إلزامُ الطرف الآخر بالحُجَّة)، فإنه قال لهم أولًا: (أُمِرْتُ أن أعبد الله) ، لأنه لا يَختلف في ذلك أحدٌ من أهل الكتاب، ثم قال لهم بعد ذلك:) ولا أُشْرِكَ به)، وذلك لإبطال عبادتهم لعيسى عليه السلام.

?ثم أمَرَ الله رسوله أن يقول لهم: {إِلَيْهِ أَدْعُو} : يعني أدعو الناسَ إلى توحيد اللهِ وعبادته (كسائر الرُسُل مِن قبلي) ، فأنا مأمورٌ بالدعوةِ إليه وحده بهذا القرآن، وليس لي أن أختار منه شيئًا وأترك الآخر، فليس معنى أنكم تنكرون بعضه، أنْ أتَّبع أهوائكم وأُبَلِّغكم ما يُرضِي أسماعكم، وإنما أُبَلِّغكم كل ما يُوحيه إليّ من ربي {وَإِلَيْهِ مَآَبِ} يعني: وإليه وحده أَرجع في كل أموري، وإليه وحده مَرجعي بعد موتي فيُجازيني بما قمتُ به من الدعوة إلى دينه.

الآية 37: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} يعني: وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسان أقوامهم، فكذلك أنزلنا إليك هذا القرآن بِلُغَة العرب لتَحكُمَ الناسَ به، {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} يعني: ولئن اتَّبعتُ أهواء المشركين في عبادة غير اللهِ تعالى {بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} - بأنك على الحق وهُم على الباطل - {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} : أي ليس لك حينئذٍ مِن ناصرٍ يُنقذك من عذاب اللهِ تعالى.

الآية 38: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} - هذا رَدٌّ مِن اللهِ تعالى على المشركين الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما لك تتزوج النساء؟) ، فإنما هو بَشَرٌ كسائر الرُسُل مِن قبله - {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} - وهذا رَدٌّ عليهم أيضًا عندما قالوا: (لو كانَ رسولًا لأَتَى بما طَلَبْنا من المعجزات) ، فليس في استطاعة رسولٍ أن يأتي بمعجزةٍ أرادها قومه إلا بإذن الله - فـ {لِكُلِّ أَجَلٍ} يعني لكل أمْرٍ مُحَدّد بوقت: {كِتَابٌ} كَتَبَ اللهُ فيه ذلك الأجل، لا يَتقدم عنه ولا يَتأخر.

الآية 39: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} أي يُبَدِّل اللهُ ما يشاء من الشرائع والأحكام بحسب حاجة عباده، ويُبْقِي ما هو صالحٌ لهم ونافع، فما مَحَاهُ تعالى فهو المنسوخ، وما أبقاهُ فهو المُحكَم، (وفي هذا رَدّ على إنكارهم لِنَسْخ بعض الأحكام وتبديلها، كاستقبال الرسول لبيت المَقدس ثم استقباله للكعبة) ، فأخبرَهم سبحانه أنه ذو إرادة ومَشيئة لا تَخضعان لإرداة الناس ومَشيئاتهم، {وَعِنْدَهُ} تعالى {أُمُّ الْكِتَابِ} وهو اللوح المحفوظ الذي جَمَعَ كل المقادير، فلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت