نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً) ، حتى نفهم لغة القرآن.
? واعلم أنّ قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} لا يُفهَم منه أنّ الأرض مُسَطَّحة، بل إنه يَدُلّ على أنك أينما ذهبتَ فوق الأرض، تراها مَمدودة أمامك، وهذا لا يُمكِن هَندسيًّا إلا إذا كانَ الشكل دائريًّا (إمّا كُرة أو بيضة أو دائرة) ، إذ إنها لو كانت مُسَطَّحة: لاَختفى هذا المَدّ عند الوصول لحدودها، فسُبحانَ مَن عَلَّمَ محمدًا صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة.
الآية 4: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} يعني: ومِن آياته سبحانه أنه جَعَلَ في الأرض قِطَعًا - من الأراضي الزراعية - يَلتصق بعضها ببعض، فمنها ما يُخْرِجُ نباتًا طيبًا يَنفعُ الناس، ومنها ما لا يُخرِجُ النباتَ إلا رَديئًا قليلًا لا نَفْعَ فيه (مع أنها نفس الأرض) ، {وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ} يعني: وجعل سبحانه - في الأرض الواحدة - بساتينَ من أعناب، وكذلك جعل فيها أنواعًا مختلفة من الخُضروات والحبوب والفاكهة، {وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ} أي عدة نَخلات مُشترِكة في مَنبت واحد {وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} يعني: وهناك نَخلات غير مُجتمِعة في نفس المَنبت، وإنما كل نخلة قائمة على أصلها.
?كُلُّ ذلك في تربة واحدة، و {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} ولكنه يَختلف في شكله وحجمه وطعمه، {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} يعني: وبَعضها أفضل من بعض في الأكل (فسبحانَ مَن خَلَقَ الثمرات، وخلق لكل ثمرةٍ مَذاقًا وطَعمًا) {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ} أي علاماتٍ على قدرته ووحدانيته، وقد جعل سبحانه هذه الآيات {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي يَتفكرون بعقولهم، فيَعلموا أنه سبحانه الخالق الرازق المُستحِق وحده للعبادة، إذ لا يُعقَل أبدًا أن يَخلُق سبحانه ثم يُعبَد غيرُه، وأن يَرزُق ثم يُشكَر غيرُه!
الآية 5: {وَإِنْ تَعْجَبْ} - أيها الرسول - من عدم إيمان قومك بعد هذه الأدلة: {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أي فالعَجَب الأشدُّ مِن قول الكفار: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا} - بعد موتنا - {أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي نُبعَث أحياءً من جديد؟، {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} الذي أَوْجَدَهم من العدم {وَأُولَئِكَ} تكونُ {الْأَغْلَالُ} - وهي سلاسل من نار - تُوضَعُ {فِي أَعْنَاقِهِمْ} يوم القيامة {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
?ويُحتمَل أن يكون المقصود بالأغلال التي في أعناقهم: أنها مَوانع الهداية في الدنيا، كالتقليد الأعمى، واتِّباع الهوى، والكِبر والعناد، والانقياد وراء الشهوات، وغير ذلك.
الآية 6: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} أي يَستعجلك المشركون بإنزال العذاب - الذي أنذرتَهم به - ليكون دليلًا لهم على نُبُوَّتك، بدلأ مِن أن يَطلبوا إنزال الرحمات والبركات وسعة الرزق والرخاء (وذلك لِجَهلهم وعِنادهم) ، لأنّ إنزال الرخاء والبركات - بعد أن تطلبها لهم مِن اللهِ تعالى - سيَكون دليلًا أيضًا على نُبُوَّتك، وأفضل لهم مِن طلب العذاب والهلاك.