?واعلم أنّ الخضر عليه السلام قد قال اللفظيْن: {فَخَشِينَا} ، و {فَأَرَدْنَا} بضمير الْمُتكَلِّم الْجَمْعِي (تواضعًا لا تعاظمًا) ، لأنه هنا قد أخبر أنّ اللهَ تعالى هو الذي علَّمه ذلك، فناسَبَ ذلك التواضع، فقال اللفظيْن: {فَخَشِينَا} ، و {فَأَرَدْنَا} بإظهار أنه قد عاوَنَهُ أحد في هذا الفعل، وذلك مِثل قوله تعالى - حكايةً عن يوسف عليه السلام: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} ، وهذا أيضًا مِثل قول القائل: (لقد وفقنا اللهُ تعالى إلى فِعل كذا وكذا) .
الآية 82: {وَأَمَّا الْجِدَارُ} الذي عدَّلتُ مَيْلَه حتى اعتدل: {فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} (أي في القرية التي فيها الجدار) {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} {وَكَانَ أَبُوهُمَا} رجلًا {صَالِحًا} {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} أي يَكبَرا ويَبلغا قوّتهما، {وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا} بأيديهما، وقد كانَ ذلك {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} بهما، {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} : يعني وما كانت أفعالي هذه ناتجة عن إرادتي واختياري، وإنما فعلتُها بأمْر اللهِ تعالى وتعليمه، {ذَلِكَ} الذي وَضَّحتُهُ لك هو {تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} : أي هو تفسير الأمور التي لم تستطع صبرًا على ترك السؤال عنها والإنكار عليَّ فيها.
?واعلم أنّ الفعل (تَسْطِعْ) هو بمعنى (تَسْتَطِعْ) ، ولكنْ حُذِفَتْ التاء هنا تخفيفًا لقُرْبها مِن مَخرج الطاء، وذلك تجنُّبًا لإعادة نفس اللفظ المذكور في قوله: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} ، حتى لا يَحدث ثِقَلٌ للسامع مِن تكراره، وهو ما يُسَمّى في اللغة بـ (أسلوب التفنُّن) ، كما سيأتي في قوله تعالى - حكايةً عن ذي القرنين: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} .
?واعلم أيضًا أنه يُستفاد من هذه القصة أنّ الإنسان ينبغي ألاَّ يَحكم على الأمور بالظاهر، لأنّ هناك أشياء لا يَعلمها ولا يَعلم الحكمة منها، ولذلك ينبغي أن يقول دائمًا: (قدَّرَ اللهُ وما شاءَ فعل) ، ويُفَوِّض الأمر لربه العليم الحكيم، ويَتذكر هذه القصة.