الآية 83: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} : أي يَسألك مُشرِكو قومك - أيها الرسول - عن خبر المَلِك الصالح"ذي القرنين"، {قُلْ} لهم: {سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا} : أي سأقرأ عليكم مِن حاله خبرًا يَحمل موعظةً وعِلمًا تتذكرونه وتعتبرونَ به.
الآية 84، والآية 85، والآية 86: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} يعني أعطيناه من المُلك والسلطان والعلم ما يُمَكِّنُه من التحكم في مَمالك الأرض {وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} : يعني أعطيناه من كل الأسباب والوسائل و"الإمكانيات"التي يتوصل بها إلى ما يريد (مِن فَتْح البلاد ليَنشر فيها العدل والخير، وغير ذلك) {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} : أي فأخَذَ بتلك الأسباب والطرق بجِدٍّ واجتهاد، وأتْبَعَ السبَبَ سببًا آخر، حتى انتهى إلى ما يريد، (وهذا مِن سُنن اللهِ الكونية في تكامُل الأشياء، فمَن صَنَعَ"العَرَبة"وتابَعَ الأسباب التي تَوَصَّلَ بها إلى صُنع"العَرَبة"، فإنه يَصنع"الطائرة"، وهكذا) .
?واعلم أنّ كلمة"السبب"مَعناها الحقيقي: (الحَبل) ، ولكنها أُطلِقَتْ على كل ما يُتوَصَّل به إلى شيءٍ ما.
? فتابَعَ ذو القرنين بين أسباب الغزو والفتح، وسارَ بجنوده {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} : يعني حتى إذا وصل إلى المكان الذي تَغرب فيه الشمس (وهو على ساحل المحيط الأطلنطي) : {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} : أي وَجَدَها - في نظر العين - كأنها تغرب في ماءٍ ساخن أو أسود، (وكَوْنها تَغرب في هذا الماء: هو بحسب رؤية العين، وإلاّ فالشمس في السماء، والمحيط في الأرض) .
{وَوَجَدَ عِنْدَهَا} أي عند تلك العين الحَمِئة - في ذلك الإقليم الغربي - {قَوْمًا} (كافرين أو فُسّاق) ، لأنّ اللهَ تعالى رَخَّصَ له في تعذيبهم - كما سيأتي - فلو أنهم كانوا مؤمنين، ما رَخَّصَ له في تعذيبهم، فـ {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} ، والمعنى أنّ اللهَ أَذِنَ له في التصرف فيهم (بعد أن يَسَّرَ له أسباب التغلب عليهم) ، فخَيَّره سبحانه بين أن يُعَذِّبهم بالقتل أو غيره، وبين أن يُعاملهم بالإحسان، فيُطلِقَ سَراحهم بدون فداء، أو يأخذ منهم الفداء.
الآية 87، والآية 88: {قَالَ} ذو القرنين لهؤلاء القوم: {أَمَّا مَنْ ظَلَمَ} : يعني أمَّا مَن استمَرَّ على شِركه وفجوره: {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} في الدنيا، {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} أي: ثم يَرجع إلى ربه بعد الموت، فيُعذبه عذابًا فظيعًا في نار جهنم {وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ} بربه، فصدَّقَ به ووَحَّدَه {وَعَمِلَ صَالِحًا} (على النحو الذي شَرَعه) ، {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} : أي فله الحُسنى - وهي الجنة - ثوابًا من اللهِ تعالى، {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} يعني: وسنُحسن إليه، ونُلَيِّن له القول ونُيَسِّر له المعاملة، فلا نُكَلِّفه ما يُرهقه.