الآية 89، والآية 90: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} أي: ثم سارَ ذو القرنين بجنوده ليَفتح المَشرق، مُتَّبِعًا الأسباب التي أعطاها اللهُ له في فتح المَغرب {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} : يعني حتى إذا وصل إلى المكان الذي تطلع منه الشمس - في نظر العين: {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} أي ليس لهم مساكن تسترهم من الشمس، ولا ثياب يَلبسونها (إذ كانوا قومًا(بِدائيين) لم تساعدهم الأرض التي يعيشون عليها على التحضّر، فلذلك كانوا يَسكنونَ الكهوف والمَغارات والسراديب، ويَسترون عوراتهم بأوراق الشجر وجلود الحيوانات وغير ذلك).
الآية 91: {كَذَلِكَ} - أي كذلك كانَ أمْرُهُم كما قصصنا عليك أيها الرسول - {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} : أي وقد أحاطَ عِلْمُنا بما عند"ذي القرنين"من الأسباب المادية والإيمانية، حيثما توجَّه وسار.
الآية 92، والآية 93، والآية 94: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} أي: ثم واصَلَ طريقه في الغزو والفتح - آخِذًا بالأسباب التي أعطاها اللهُ له - {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} وهما جَبَلان عظيمان يَحجزان ما وراءهما، فـ {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا} يعني وجد أمام هذين الجبليْن {قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} أي لا يَفهمون كلام مَن يخاطبهم إلاّ بشدة وبُطء (لأنهم لا يَعرفون لهجةً أخرى غير لَهْجتهم) ، فـ {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} وهُما قبيلتان عظيمتان من بني آدم {مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بإهلاك الزرع وقتْل البشر والتدمير والتخريب، {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا} : يعني فهل نجعل لك أجرًا {عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} : يعني مُقابل أن تجعل بيننا وبينهم حاجزًا يَمنعهم من الوصول إلينا؟
الآية 95، والآية 96: {قَالَ} لهم ذو القرنين: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} يعني ما أعطانيه ربي من المُلك والتمكين هو خيرٌ لي مِن مالكم، {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} مِن أجسادكم: {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} أي حاجزًا قويًّا - في المسافة التي بين الجبلين - ليَكون حائلًا بينكم وبينهم.
?وقال لهم ذو القرنين: {آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} : يعني أعطوني قطع الحديد (كل قطعة منهم على قدر الحجر الذي يُستَخدَم في البناء) ، فجاؤوا به إليه، فأخذ يضع الحديد ويَبني السد {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} ، يعني حتى إذا ارتفع البناء وأصبح مُساويًا لارتفاع الجبلين: {قَالَ} ذو القرنين للعُمّال: {انْفُخُوا} أي أشعِلوا النار، وانفخوها على الحديد حتى يَنصهر (ليُصبح أكثر صلابةً وثباتًا) ، {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} : يعني حتى إذا اشتعلت النار في جميع قطع الحديد، وصار الحديد كله مُنصهرًا: {قَالَ} لهم: {آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} : يعني أعطوني نحاسًا مُذابًا أُفرِغه عليه، فجاؤوا إليه بالنحاس المُذاب، فأفرغه على السد، (ولَعَلّ الحكمة من اتحاد الحديد المنصهر مع النحاس المُذاب أنْ تَنتج مادة ثالثة أكثر صلابة تجمع بين قوة الحديد وقوة النحاس) .
الآية 97، والآية 98: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} : أي فما استطاع يأجوج ومأجوج أن يصعدوا فوق السد (لارتفاعه ومَلاسته) ، {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} : يعني وما استطاعوا أن يَخرقوه مِن أسفله لقوَّته.