الصفحة 9 من 22

{وَجْهَهُ} أي يريدون بأعمالهم الصالحة رضا اللهِ تعالى وَجَنَّتِه، والنظر إلى وجهه الكريم، {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} أي: ولا تصرف نظرك عنهم إلى غيرهم من الكفار الأغنياء، {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ؟ يعني: هل تريد مُجالسة هؤلاء الكفار الأغنياء، للشرف والفخر، لأنهم أصحاب هيئة وزينة، وأصحابك ليس لهم ذلك؟ (وهذا استفهام غرضه النفي والإنكار) أي: لا تفعل هذا، {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} أي: ولا تُطِعْ مَن جعلنا قلبه غافلًا عَمّا يَجب عليه مِن ذِكرنا وعبادتنا (عقوبةً له) ، لأنه عانَدَ وتكَبَّر {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} ففضَّله على طاعة مَولاه {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} : أي وصارَ أمْرُهُ في جميع أعماله ضَياعًا وهَلاكًا.

?واعلم أنّ هذا التوجيه قد نَزَلَ للرسول صلى الله عليه وسلم عندما عَرَضَ عليه المُشرِكون إبعاد أصحابه الفقراء عنه (كَبِلال وصُهَيْب وغيرهما) ، ليَجلسوا إليه ويسمعوا منه، فنَهاه ربه عن ذلك، وأمَرَه بملازمة المؤمنين الفقراء، الذين لا يريدون بصلاتهم وتسبيحهم ودعائهم شيئًا من الدنيا، وإنما يريدون رضا اللهِ عنهم ومَحبته لهم.

?واعلم أنّ الفعل (كان) إذا جاء مع صفة معينة، فإنه يدل على أنّ هذه الصفة مُلازِمة لصاحبها، كقوله تعالى - واصفًا نفسه بالرحمة والمغفرة: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} أي كانَ سبحانه - دائمًا وأبدًا - غفورًا رحيمًا (للتائبينَ إليه في كل وقت، الخائفينَ من عاقبة ذنوبهم) .

الآية 29: {وَقُلِ} لهؤلاء الغافلين: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني: ما جئتكم به - من التوحيد والعمل الصالح - هو الحق من ربكم، {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ} : أي فمَن أراد منكم أن يُصَدِّق بهذا الحق ويَعمل به، فليَفعل فهو خيرٌ له، {وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} يعني: ومَن أراد أن يَجحد فليَفعل، فما ظَلَمَ إلا نفسه، فـ {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} أي للمُشرِكين، لأنَّ اللهَ تعالى قال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، فأولئك قد أعَدَّ اللهُ لهم {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي أحاطت بهم جُدرانها المُحرِقة، {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا} - بطَلَب الماء مِن شدة العطش - فإنهم {يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} : أي يُؤتَ لهم بماءٍ يُشبه الزيت العَكِر - شديد الحرارة - {يَشْوِي الْوُجُوهَ} : يعني إذا قرّبوه مِن وجوههم ليَشربوا: شَوَى جلودهم ووجوههم، فإذا شربوه: قطَّعَ أمعاءهم، {بِئْسَ الشَّرَابُ} : أي قَبُح هذا الشراب الذي لا يَروي ظمأهم بل يَزيده، {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} : أي وقَبُحَتْ النار مَنزلًا لهم ومُستقَرًَّا، (وفي هذا وعيدٌ شديد لمن أعرض عن الحق، فلم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ الأمر في قوله تعالى:(فليَكفر) هو للتهديد والوعيد، بدليل ذِكر العذاب الذي سيُصيبه إنْ كَفَر).

الآية 30، والآية 31: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لهم أعظم الثواب، فـ {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} أي لا نُضيع أجورهم على إيمانهم وإحسان أعمالهم، {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي لهم جنات الخلود التي يُقيمونَ فيها {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} أي تجري الأنهار مِن تحت قصورهم وغُرَفهم، {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} : أي يَلبسونَ فيها أساور من ذهب {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا} أي ثيابًا ذات لون أخضر، قد نُسِجَت {مِنْ سُنْدُسٍ} وهو الحرير الرقيق {وَإِسْتَبْرَقٍ} ) وهو الحرير الغليظ)، {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} (واعلم أنّ الاتِّكاء هو الاستناد على شيءٍ في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت