-من الآية 78 إلى الآية 83: {وَهُوَ} سبحانه {الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} أي جَعَلَ لكم وسائل الإدراك من الأسماع والأبصار والقلوب، ومع ذلك فـ {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} .
{وَهُوَ} سبحانه {الَّذِي ذَرَأَكُمْ} أي خَلَقكم {فِي الْأَرْضِ} ونَشَرَكم في أنحائها، {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} بعد موتكم، ليُجازيكم على أعمالكم، (إذ القادرُ على خَلْقكم في هذه الأرض: قادرٌ على خَلْقكم في أرضٍ أخرى بعد موتكم) ، {وَهُوَ} وحده {الَّذِي يُحْيِي} من العدم، {وَيُمِيتُ} بعد الحياة، (أليس هذا قادرًا على إحيائكم بعد موتكم؟!) ، {وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي اختَصَّ سبحانه بتعاقب الليل والنهار (وذلك بمجيء أحدهما بعد الآخر، واختلافهما طُولًا وقِصَرًا) ، فلا قدرة لأحدٍ أن يُوجِدَ ظُلمة الليل وضوء النهار غير الله تعالى، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ؟! يعني: أفلا تتفكرون بعقولكم لتعرفوا قدرة اللهِ تعالى على البعث واستحقاقه وحده للعبادة، بعدما شاهدتم هذه الآيات؟!
? لكنّ الكفار لم يُصَدّقوا بالبعث - رغم هذه الأدلة التي لا يُنكِرها عاقل - {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ} أي ردَّدوا مَقولة المُنكِرين السابقين، فـ {قَالُوا} : {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} أي خَلْقًا جديدًا بعد أن تَحَلَّلتْ عظامنا في تراب الأرض؟! {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ} يعني: لقد قيل هذا الكلام لآبائنا مِن قبل، فلم نَرَهُ حقيقةً، {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} أي: ما هذا الذي تتحدثون عنه من البعث والحياة الثانية إلا قصص السابقينَ التي لا حقيقةَ لها.
-الآية 84، والآية 85: {قُلْ} أيها الرسول لهؤلاء المُنكِرين للبعث: {لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا} من المخلوقات {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ؟ {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} أي سيَعترفون حَتمًا بأنها لله، لأنهم يَعلمون أنه سبحانه الخالق المالك، إذًا {قُلْ} لهم: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} ؟ يعني أفلا تتذكرونَ فتعلموا أنّ الذي خلق الأرض ومَن فيها قادرٌ على البعث بعد الموت وأنه لا يَستحق العبادةَ غيره؟!
-الآية 86، والآية 87: {قُلْ} لهم أيها الرسول: {مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} الذي هو أعظم المخلوقات وأعلاها؟ {سَيَقُولُونَ} حَتمًا: {لِلَّهِ} أي: هذه المخلوقات مِلكٌ لله تعالى (إذ هو خالقها ومالكها والمتصرف فيها) ، إذًا {قُلْ} لهم أيها الرسول: {أَفَلَا تَتَّقُونَ} ؟! يعني أفلا تخافونَ عذابه إذا عبدتم معه غيره؟!
-الآية 88، والآية 89: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} يعني: مَن بيده خزائن كل شيء {وَهُوَ يُجِيرُ} أي يَحمي مَن طلب حمايته {وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} يعني ولا يَقدر أحد أن يَحفظ مَن أراد الله إهلاكه، أو يَدفع عنه السُوء الذي قدَّره اللهُ له {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ؟ {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} : أي سيَعترفون حتمًا بأنّ ذلك كلَّه للهِ وحده، إذًا {قُلْ} لهم أيها الرسول: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} ؟! أي كيف تُخْدَعون فتعبدون غير الخالق الرازق؟! وكيف تذهب عقولكم فتُنكرون على الخالق إحياء الأموات، وهو الذي أحياهم ابتداءً ثم أماتهم؟!
-الآية 90: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ} يعني: بل جئناهم بالحق الذي أرسلنا به محمدًا صلى الله عليه وسلم - مِن أمْر التوحيد والنُبُوّة والبعث والجزاء - {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فيما نَسَبوهُ للهِ تعالى من الشَريك والولد.
-الآية 91، والآية 92: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} (لأنه سبحانه رَبُّ كل شيء ومَالكُه، وهو الغني القوي الذي لا يحتاجُ إلى ولدٍ كما يَحتاج البشر) ، {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} لأنه لو كان هناك أكثر مِن معبود: {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} أي سيَنفرد كل معبودٍ بمخلوقاته {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي سيُحارب بعضهم بعضًا كشأن ملوك الدنيا، فبذلك يَختلُّ نظام الكون، {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي تَنَزَّهَ اللهُ تعالى وتبرَّأ عن وَصْفهم الكاذب بأنّ له شريكًا أو ولدًا، فهو