-من الآية 45 إلى الآية 48: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا} الدالّة على أنهما رسولان من عند اللهِ تعالى، وهي الآيات التسع: (العصا واليد والطوفان، والجَراد والقُمَّل والضفادع، والدم ونقصٍ من الثمرات والأنفس) ، {وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} يعني: وأرسلناه بحُجَّةٍ قوية واضحة تَقهر القلوب، فتنقاد لها قلوب المؤمنين، وتقوم بها الحُجّة على المُعانِدين.
? ويُحتمَل أن يكون المقصود بالسُلطان المُبِين هنا: (العَصا) ، وإنما أعادَ سبحانه ذِكرها بعد أن ذَكَرَ الآيات عمومًا، لأنّ العصا كانت أشهر الآيات وأقواها، وبها هُزِمَ السَحَرة، واللهُ أعلم.
? فأرسلناه بهذه الآيات {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} وهم أكابر أتْباعه وأشراف قومه، {فَاسْتَكْبَرُوا} عن الإيمان بموسى وأخيه، {وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ} أي كانوا قومًا متطاولين على الناس، قاهرينَ لهم بالظلم، {فَقَالُوا} : {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} {وَقَوْمُهُمَا} - مِن بني إسرائيل - {لَنَا عَابِدُونَ} أي مُطيعونَ لأمْرنا، ذليلونَ لنا، نستخدمهم فيما نشاء؟!، {فَكَذَّبُوهُمَا} فيما جاءا به، {فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} بالغرق في البحر.
-الآية 49: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} : يعني أعطينا موسى التَوراة ليَهتدي بها قومه إلى الحق، (وذلك بعد إهلاك فرعون ونجاة بني إسرائيل) .
-الآية 50، والآية 51، والآية 52، والآية 53: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً} أي علامة دالَّة على قدرتنا؛ إذ خَلَقنا عيسى مِن غير أب، {وَآَوَيْنَاهُمَا} أي أنزلناهما - بعد اضطهاد اليهود لهما - {إِلَى رَبْوَةٍ} أي مكانٍ مرتفع من الأرض - آمِنٌ مِن الأذى - {ذَاتِ قَرَارٍ} أي صالح للاستقرار عليه (لِمَا فيه من الزروع والثمار) ، {وَمَعِينٍ} أي: وفيه ماءٌ عذب جارٍ ظاهر للعيون (فسبحان المُنعِم على عباده، المُكرِم لأوليائه) .
? ثم أخبر تعالى أنه قد أمَرَ جميع الرُسُل بأكل الحلال الطيب فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} أي كلوا من الرزق الحلال، {وَاعْمَلُوا صَالِحًا} أي اعملوا الأعمال الصالحة (بأداء الفرائض والإكثار من النوافل) شُكرًا لي على نِعَمي.
? وقوله تعالى: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فيه وعدٌ مِن الله تعالى بأنه سوف يُثِيبهم على أعمالهم الصالحة، (وفي الآية دليل على أنّ أكْل الحلال عَونٌ للعبد على العمل الصالح، وأنّ عاقبة الحرام شديدة الضرر، ومنها رَدّ الدعاء) .
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} يعني إنَّ دينكم - يا مَعشر الأنبياء - هو دينٌ واحد، وهو الإسلام (الذي هو الاستسلام والانقياد والخضوع لأوامر الله تعالى، وعبادته وحده بما شَرَع) ، فاجتمِعوا عليه ولا تختلفوا، {وَأَنَا رَبُّكُمْ} أي خالقكم ورازقكم ومُدَبّر أمْركم {فَاتَّقُونِ} أي فاتقوني- بفِعل ما أمَرتكم به وترْك ما نَهَيتكم عنه - لتنجوا من عذابي وتدخلوا جنتي.
{فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا} أي: ولكنّ الناس اختلفوا بعد هؤلاء الأنبياء، وجعلوا دينهم مَذاهب تُعادي بعضها بعضًا، وأصبحوا فِرقًا وأحزابًا، بعدما أُمِروا بالاجتماع على دينٍ واحد، وأصبحَ {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي كل حزبٍ منهم مُعجب برأيه، زاعمٌ أنه على الحق وغيره على الباطل، (وفي هذا تحذير من التحزب والتفرق في الدين) .
? واعلم أنّ قوله تعالى: {زُبُرًا} أي قِطَعًا، كما قال تعالى وهو يَحكي عن ذي القرنين: {آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} أي قِطَعَهُ الضخمة.