خِيارًا، وبقوله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ - أي أفضلهم - أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} ، فعلى هذا يكونُ المعنى: (إنها أعلى الجنة وأفضل الجنة) ، وقد ذَكَرَ بعضهم قولًا آخر: وهو أننا إذا تخيلنا أن الجنة عبارة عن صندوق ضخم، فبالتالي تكون الفردوس في منتصف هذا الصندوق ولكنْ في أعلى نقطةٍ فيه، فبذلك تكون أعلى الجنة وأوسط الجنة، واللهُ أعلم.
-من الآية 12 إلى الآية 16: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} - وهو هنا آدم عليه السلام - {مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} أي مِن طينٍ مأخوذ من جميع الأرض، ثم نَفَخَ اللهُ فيه مِن روحه فصارَ بشرًا سويًا، {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} أي: ثم تناسلتْ ذريته مِن نُطفة (وهي ماء الرَجُل) ، حيث تَخرج النُطفة من ظهور الرجال، ثم تستقر {فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} أي في مُستَقَرّ مُتمكِّن - مُهَيّأ لحِفظ النُطفة - وهو أرحام النساء، {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} أي: ثم يَتحول هذا المَنِيّ بقدرة اللهِ إلى عَلَقة (وهي قطعة من الدم الغليظ متعلقة بالرَحِم) ، ثم تتحول هذه العَلَقة بقدرة اللهِ إلى مُضغة (وهي قطعة لحم صغيرة قَدْر التي تُمْضَغ في الطعام) ، {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} أي: ثم تتحول هذه المُضغة اللينة بقدرة اللهِ إلى عظام، ثم يَكسو اللهُ هذه العظامَ لحمًا.
{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ} أي: ثم يُنشئه اللهُ تعالى خَلقًا آخر غير الذي ابتدأه به (وذلك بعد نَفْخ الروح فيه) ، إذ أصبح إنسانًا يتحرك بعد أن كانَ جمادًا لا حياةَ فيه، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} أي: َ َعَظُمَتْ قدرة اللهِ تعالى الذي أحسن كل شيء خَلَقه، (واعلم أنّ معنى قوله تعالى: {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} أي أحسن الصانعين، لأنّ كلمة الخَلق تأتي في اللغة بمعنى الصناعة) ، كما قال تعالى في سورة الفجر: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} أي التي لم يُصنَع مِثلها في البلاد، (فاللهُ تعالى يَصنع، والناسُ يَصنعون، ولكنّ اللهَ سبحانه هو أحسن الصانعين) ، {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} أي ستموتون أيها البشر بعد انتهاء أعماركم {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} أي يَبعثكم اللهُ من قبوركم أحياءً للحساب والجزاء.
? ومِن لطيف ما يُذكَر أنّ العلم الحديث قد أثبَتَ أن العناصر المُكَوّنة لجسم الإنسان هي نفسها العناصر الموجودة في التربة الطينية، وعددها ستة عشر عنصرًا، أوّلها (الأُكسُجين) ، وآخرها (المنجنيز) .
-الآية 17: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ} أي سبع سماواتٍ بعضها فوق بعض، {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ} - الذين تحت السماوات - {غَافِلِينَ} بل كنا حافظينَ لهم مِن أن تسقط عليهم فَتُهلِكهم، وكُنّا نُدَبّر أمورهم ونَعتني بمَصالحهم ومَنافعهم (وبذلك انتظم الكونُ والحياة، وإلاّ لَفَسَدَ كلُ شيء) .
? ولعل اللهَ تعالى وَصَفَ السماوات بالطرائق لأنها الطُرُق التي تسير فيها الملائكة أو التي تسير فيها الكواكب، ويُحتمَل أيضًا أن يكون معنى طرائق: (أنّ بعضها فوق بعض) ، وهذا مِثل قول العرب: (طارَقَ بين ثوبين) أي جَعَلَ أحدهما فوق الثاني، واللهُ أعلم.
-الآية 18: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ} أي بمقدارٍ مُعَيّن (بحسب حاجة الخلائق) {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ} أي جَعَلنا الأرضَ مُستقَرًا لهذا الماء (كالأنهار والمياه الجوفية، وغير ذلك) ، {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} أي قادرونَ على الذَهاب بهذا الماء، وحينئذٍ ستَهلك البشرية عطشًا (وفي هذا تهديدٌ للظالمين) .
-الآية 19، والآية 20: {فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ} - أي بهذا الماء - {جَنَّاتٍ} أي حدائق {مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} {لَكُمْ فِيهَا} أي في تلك الحدائق {فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ} تَربَحونَ منها بالتجارة، وتصنعون منها العصائر {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} ، (واعلم أنّ اللهَ تعالى قد خَصَّ العنب والتمر من بين باقي الفواكه لمَكانتهما عند العرب وكثرة فوائدهما) .